فخر الدين الرازي
96
لباب الاشارات والتنبيهات
الصورة فيها ، ونسبة الصورة الجرمية إلى جميع الأحياز على السوية ، فلو حصل ذلك الجسم في حيز معين ، لكان قد ترجيح الممكن من غير مرجح ، وهو محال « 1 » . فإما أن يحصل في جميع الأحياز ، أو لا يحصل في شئ من الأحياز . وهي حال ما تجسمت ، لم تكن متجسمة . هذا خلف . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون حصولها في الحيز المعين ، كحصول القطرة في الحيز المعين من أجزاء كلية البحر ؟ قلنا : تلك القطرة إنما حصلت في ذلك الحيز لأن مادة تلك القطرة قبل اتصافها بالمائية كان هواء ، وحيزه كان هواء ، كان حاصلا في حيز ، كان يلزم من صيرورتها ماء أن لا يسقط إلا على هذا الموضع الذي هو الآن فيه . وبالجملة : فهذا الوضع الحاصل بسبب الوضع السابق ، ومثل هذا العذر لا يمكن أن يقال في مذهبكم . لأن الهيولى « 2 » كانت مجردة ، فيستحيل أن يقال : يحصل لها وضع معين بسبب الوضع الذي كان قبل ذلك . المسألة الخامسة في الهيولى مع الصورة الجسمية وصور أخرى لما ثبت أن الهيولى لا تنفك عن الصورة الجسمية ، فاعلم : أنها أيضا لا تنفك عن صورة أخرى . وكيف ؟ ولا بد من أن يكون إما مع صورة توجب قبول الانفكاك والالتئام والتشكل بسهولة أو بعسر ، أو مع صورة توجب امتناع قبول تلك . وكل ذلك غير مقتضى للجرمية . وكذلك لا بد له من
--> ( 1 ) المعتزلة يقولون أحيانا بترجح الممكن من غير مرجح [ أنظر : المطالب العالية من العلم الإلهي لفخر الدين الرازي ] . ( 2 ) الهيولى تترجم في الإنجليزية بالشبح وقد كتب الرازي رحمه اللّه عنها كثيرا في شرح عيون الحكمة .