فخر الدين الرازي

57

لباب الاشارات والتنبيهات

والثاني : إن الوهم يساعد العقل في الأصول التي تنتج نقيض مقتضاه ، فلو كان الوهم صادقا ، لما اعترف بما ينتج نقيض مقتضاه . وهذا أيضا ضعيف لأن القضايا الوهمية ، لو كانت أضعف من الأولية ، فلا حاجة البتة إلى ذكر هذا الفرق . وإن كانت مساوية لها في القوة ، لزم السفسطة . لأنهما لما استويا في القوة ، وكانت الوهميات كاذبة ، امتنع الاستدلال بذلك القدر من القوة ، على صحة البديهيات . بقي أن يقال إنما عرفنا صحة الأوليات ، لأن العقل لم يعترف بشئ ، ينتج ضد أحكامه . والوهم اعترف بأشياء منتجة لضد أحكامه إلا أنا نقول هذا باطل من وجهين : الأول : إن صحة الأوليات تكون مستفادة من هذا الفرق . لكن هذا الفرق من العلوم البرهانية . فصحة الأوليات ، مفرعة على النظريات ، المفرعة على الأوليات . فيلزم الدور . والثاني : إن على هذا التقدير ، لا نعرف صحة هذه الأوليات ، إلا إذا بحثنا عن صحة جميع المقدمات التي يمكننا استحضارها في عقولنا ، وتيقنا أنه لا يلزم في شئ منها قدح في هذه العلوم البديهية . لكن ذلك الاستقراء مما لا يتهيأ إلا على سبيل الظن ، لأنا وإن عرفنا في ألف ألف مقدمة ، أن شيئا منها لا ينتج نقيض هذه الأوليات ، فلعله بقي في سائر المقدمات التي ما عرفناها نقيض هذه الأوليات . أقصى ما في الباب : أنا لا نجده . لكن عدم الوجدان ، لا يفيد عدم الموجود ، إلا على سبيل الظن الضعيف ، فيصير الجزم بالبديهيات ، موقوفا على