أبو حامد الغزالي
51
محك النظر
و « النمط الثالث نمط التعاند وهو على ضد نمط التلازم ، والمتكلمون يسمّونه السبر والتقسيم ، والمنطقيون يسمّونه الشرطي المنفصل ونحن سمّيناه التعاند . . . » « 1 » وكان الغزالي قد أورد تسميات للسبر والتقسيم والتعاند في المعيار « 2 » ، من دون أن يعتمدها مصطلحا ، مسوّغا في ذلك المفاهيم المنطقيّة ضمن المعاني الإسلاميّة . ويقابل التعاند الشرطي المنفصل ، كما يعني التنافي والتضاد بين القضيتين . والاستدلال التعاندي يشبه السبر والتقسيم ، إذ يسقط أحد المتعاندين . وعرّف الجرجاني التعاند والعنادية قائلا : « هي القضية التي يكون الحكم فيها بالتنافي . . . كما بيّن الفرد والزوج » « 3 » . وورد استعمال الشرطي المنفصل في المعيار والمقاصد ، وقد شرحنا الاشتراط ، أمّا الانفصال فيعني وجود النقيضين إثباتا للآخر ، فهنا عدم اجتماع ، ويعبّر الاشتراط المنفصل عن قضيّة احتمالية اقترنت بأداة الشرط آخذة شكل التنافي ، ( إمّا هذا وإمّا ذاك . . ) . ويمكن لها أن تكون واقعيّة تجريبيّة أو شكليّة رمزيّة . بينما يوحي التعاند بمدلول الحكمين المتنافيين ، أو الحكم المجزّأ إلى جزئين متباينين ، ليفيد استدلاليّا الأخذ بأحدهما . فهو عمليّة تنقيب بين مجموعة أشياء ، صفتها التعاند لنزع غير المطلوب وإبقاء الحكم الصحيح . وهذه هي الطريقة التقسيميّة الفرزيّة ، التي ربّما ميّزت لنا الفرق بين الاحتمال المنطقيّ الرياضيّ والتقسيم والفرز . فالاحتمال يدفع الذهن إلى البحث والتقصّي والاكتشاف واضعا الشكوك . بينما التقسيم يمدّنا بأحكام قائمة ثابتة واقعة ، وما على الباحث سوى التفتيش بينها لأخذ المطلوب وفرزه عن غيره . على أنّنا نرجو أن نوفّي الأمر بحثا وتحليلا في فصل العلاقات المنطقيّة بالباب الثاني ، توضيحا للفرق والأبعاد ، وزيادة
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 42 . ( 2 ) الغزالي ، المعيار ، ص 100 . ( 3 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 106 .