أبو حامد الغزالي
52
محك النظر
على ما ذكرنا . وقد كانت أمثلة التعاند في المحكّ « 1 » شبيهة بأمثلة الشرطيّ المنفصل في المعيار . وليس ضروريّا أن تتألف مقدّمة التعاند من قسمين وقضيّتين ، فربّما تكوّنت من ثلاث . ف « إنّا نقول هذا الشيء إمّا مساو وإمّا أقلّ وإمّا أكثر فهذه ثلاثة ، ولكنّها حاصرة . فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين ، وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث . . . » « 2 » وبهذا الشرح يقترب الغزالي من السبر والتقسيم . ما إن يختم فصل أشكال القياس في المحكّ حتى تتيسّر مادّته وتتخيّر دربا سرى عليه الغزالي في كتبه السابقة ، من دون استحداث طرق ومنازل ، اللهمّ سوى المعاني الإسلامية والأغراض الأصولية . وقيل مادّة القياس تمييزا من الصورة ، إذ ورد التعبير عند كلّ المناطقة من دون استثناء . والمادّة : « هي التي يحصل الشيء معها » « 3 » . وهذا التعريف يستند على نظرة أرسطو الفلسفية ، التي ترى أنّ المادة شيء ما بالقوة ، يكتمل حين تحقّقه الصورة . وقد اصطلح الغزالي والمشائية الإسلامية عليها ليشيروا إلى مضمون المقدمات القياسيّة ، يقينيّة كانت أو ظنيّة . أما « صورة الشيء فما به يحصل الشيء بالفعل » « 4 » . وأصابت منطقيّا في دلالتها على النظم وصورته ومعاييره ، من دون تناول يقينيّة قضاياه . ويقول أبو البقاء عنها : « تطلق الصورة على ترتيب الأشكال ووضع بعضها من بعض واختلاف تركيبها . . . وقد تطلق على ترتيب المعاني التي ليست محسوسة ، فإنّ للمعاني ترتيبا أيضا وتركيبا وتناسبا . . . » « 5 » . وكان أن ورد تعبيرا المادّة والصورة في المقاصد والمعيار ، بينما استعيض عنهما في
--> ( 1 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 42 - 44 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 43 . ( 3 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 131 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 92 . ( 5 ) الكفوي ، الكليّات ، ص 226 .