أبو حامد الغزالي
45
محك النظر
الاصطلاح تأليف الكلمات والجمل مترتّبة المعاني متناسبة الدّلالات على حسب ما يقتضيه العقل . . . » « 1 » . و « النظم الطبيعي هو الانتقال من موضوع المطلوب إلى الحدّ الأوسط ثمّ منه إلى محموله حتى يلزم منه النتيجة » « 2 » . فاللفظة تحمل دلالات وجذورا دينيّة ولغوية . مما يؤكد بدء اتّسام معاني الغزالي المنطقيّة بالسّمات الإسلامية البحتة . أما النظم الأول من القياس الحمليّ فصورته بأن « تكون العلّة حكما في إحدى المقدّمتين محكوما عليه في الأخرى . . » « 3 » . ونرى الغزالي يضع تعبيري الحكم والمحكوم عليه ، ويستحدثهما بدلا من الموضوع والمحمول ، مثلما صنع في مبحث القضيّة من هذا الكتاب . كما يدخل العلّة مكان الحدّ الأوسط ، إذ يقول : « فلنصطلح على تسمية المكرّر في المقدّمتين علّة . . فإنّه إذا قيل لك لم قلت إنّ النبيذ حرام فنقول لأنه مسكر . . » « 4 » . ومن ثمّ درجت العلّة في المحكّ وفي مقدمة المستصفى ، كما سنرى . وتقوم العلّة بربط الحكم في الكبرى بالمحكوم عليه في الصغرى . بينما تقوم في الفقه بربط الأصل بالفرع . وقد أعطى أبو البقاء تعريفا لها اقترب من وجهة نظر الغزالي ، فقال : « العلة ما يتوقف عليه الشيء . . . اللّه أوجب الحكم لأجل هذا المعنى ، والشارع على ذكره قد أثبت الحكم بسبب . . فيضاف الحكم إلى اللّه تعالى إيجابا وإلى العلّة تسبّبا . كما يضاف الشبع إلى اللّه تخليقا وإلى الطعام تسبيبا « 5 » . هناك إذا علّة أوجبت معنى الحكم في الأصل ، وهي توجب الحكم بالفرع . كما أنّ هناك علّة تعاقبية سندها الحقيقي اللّه . وينحو الغزالي فلسفيّا هذا المنحى .
--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ص 166 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 166 . ( 3 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 31 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 32 . ( 5 ) الكفوي ، الكليّات ، ص 250 .