أبو حامد الغزالي
46
محك النظر
وكان أن وضّح الغزالي مثاله عن الخمرة ودور العلة ، قائلا : « إنّ في هذا القياس مقدّمتين إحداهما قولنا لكلّ نبيذ مسكر والأخرى قولنا كلّ مسكّر حرام » « 1 » . فالنتيجة : إنّ النبيذ حرام . وقياس التعليل هذا عند الأصوليين مرده إلى أنّ النبيذ محرّم قياسا على الخمر ، والعلّة الجامعة أو الحدّ المشترك هو الإسكار . ويظهر ذلك أيضا في جواب المطالب ، « لم » يكون النبيذ حراما ؟ لأنّه مسكّر . ولم تكن مسألة التماس العلّة واجتلابها مجرّد اصطلاح يدخل على الشروح توفيقا وتجميعا ، إنّما كان تطويعا للمنطق بالأصول ، وتمثّله على ضوء المعطيات والسمات الإسلامية . وتعني العلّة في الأصول في ما تعنيه : أنّ هناك الأصل وهناك الفرع ، وما يجمع بين الأصل والفرع أو بين الشاهد والغائب هو العلّة . وكان هذا رأي الجويني في البرهان « 2 » . - علما أنّ الجويني ، أستاذ الغزالي ، كان قد نقد بعض آراء المنطق الأرسطويّ وتبنّى آراء أخرى « 3 » - فسار التلميذ على المنوال نفسه ، موسّعا دائرة تبنّي القالب الأرسطويّ ، وكيّفه في خدمة العلوم الإسلاميّة ، كما يظهر تدريجيّا خلال استعراض القياس في كتبه . وما يمكن قوله إنّ استغناء الغزالي عن استعمال الحدّ الأوسط واستعاضته عنه بالعلّة يعتبر تحوّلا تامّا في النظرة ، وتحويلا للمنطق نحو المفاهيم الأصوليّة . فلقد تعدّت العمليّة مجرّد إعطاء الأمثلة الفقهيّة وتطعيم الألفاظ ، مثلما كان الأمر في المعيار . وبلغ المزج طورا أحدث بنية تركيبيّة جديدة على صعيد المضمون والمصطلح والأبعاد . إذ العلة للجمع بين الأصل والفرع ، أمّا الأوسط فللتداخل بين الأصغر والأكبر - ولا ينفي هذا عدم استعمال ابن سينا العلّة حدّا أوسط . لكن ذلك كان في حكم النقل عن أرسطو - ولكلّ منها أبعاد منطقيّة .
--> ( 1 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 31 . ( 2 ) أنظر النشار ، مناهج البحث ، ص 130 ، نقلا عن مخطوط البرهان للجويني . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 77 ، استنادا إلى مخطوط البرهان .