أبو حامد الغزالي
39
محك النظر
فإن قلت العالم ليس بقديم ، والباري ليس بحادث ، كانت النسبة نسبة النفيّ . وقد التئم هذا القول من جزئين . يسمي النحويون أحدهما مبتدأ والآخر خبرا . ويسمي المتكلمون أحدهما موضوعا والآخر صفة . ويسمّي الفقهاء أحدهما حكما والآخر محكوما عليه . ويسمي المنطقيون أحدهما موضوعا وهو المخبر عنه والآخر محموله وهو الخبر . ونصطلح نحن على تسمية الفقهاء ، فنسميها حكما ومحكوما عليه . ولنسمّ مجموع الحكم والمحكوم عليه قضيّة . . . » « 1 » ولم تكن الفقرة السابقة عرضا لمصطلحات تركيب القضيّة فحسب ، بل كانت طرحا جديدا وتبنّيا لعبارات بما تحمل من خلفيّة فقهيّة . فنرى الإمام ينتقل بالمحكّ إلى تداول الحكم والمحكوم عليه عوضا عن الخبر والمخبر عنه في المعيار ، أو بدلا عن الموضوع والمحمول . وقد استخدم الحكم والمحكوم عليه في مقدّمة المستصفى كما سنرى . والمحكوم اسم مفعول من حكم ، أطلق حكما مرادا منعه عن التبديل والتغيير والتخصيص « 2 » . ويلعب المحكوم عليه دور الموضوع في القضيّة المنطقيّة . ويستعمل اللفظ في الشرعيات ، « وأثر الخطاب المترتّب على الأفعال الشرعيّة . . . كلّ ذلك محكوم اللّه تعالى ثبت بحكمه وإيجاده وتكوينه ، وإنّما سمّي حكم اللّه على لسان الفقهاء . . . » « 3 » ويعني الحكم أيضا القضيّة ككلّ . فنقول حكمنا أنّ كلّ خمر مسكرة . وقصد الغزالي بالحكم في المحكّ ومقدّمة المستصفى ما يحمل على المحكوم عليه . ويطلق تعبير الحكم في الشرعيّات ، لأنّه : « عبارة عن حكم اللّه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين » « 4 » فأفعال المكلّفين هي المحكوم عليه . وكلمة حكم في اللغة هي : « الصرف والمنع للإصلاح . . . ومن قوله تعالى أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي منعت وحفظت عن الغلط والكذب والباطل والخطأ
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 23 . ( 2 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 139 . ( 3 ) الكفوي ، الكليّات ، ص 157 . ( 4 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 64 .