يعقوب بن يوسف الكندي

9

رسائل الكندى الفلسفية

الحق ، وهم الذين يتخذون إظهار الدفاع عن الدين وسيلة للمحافظة على مناسبهم المزورة ؛ وهو يصفهم بأنهم المتجرون بالدين ، لأنهم ليسوا منه على شئ . ويدخل المؤلف في ذلك دفاعا عن الفلسفة التي هي ، بحسب تعريفه ، علم الأشياء بحقائقها ، مبينا أن الفلسفة تحوى علم الربوبية والوحدانية والفضيلة وجملة العلوم النافعة ؛ وهذا ما جاءت به الأنبياء . ثم يحاول أن يلزم خصومه أن يعترفوا بوجوب اقتناء علم الفلسفة : هم إما أن يقولوا إن طلبها واجب ، فيجب عليهم ، إذن ، أن يطلبوها ؛ وإما أن يقولوا إن طلبها غير واجب ، فيحتم عليهم تقديم الدليل على رأيهم ؛ وهذا الدليل لابدّ لهم أن يلتمسوه من الفلسفة التي هي علم الأشياء بحقائقها « 1 » . ثم يسأل اللّه المطلع على السرائر ، التوفيق والحفظ . وهنا تقرأ دعاءا يدل على إيمان عميق ، يذكرنا بما نعرفه عند الأرواح الكبيرة ، حين تقف بين العلوم العقلية والفلسفية من جهة وعلوم الدين وعقائده من جهة أخرى ، مثل إبراهيم النظام وغيره ( راجع كتابنا عنه ص 71 ) . ويريد الكندي من تأليف كتابه إقامة الحجة على وجود اللّه الواحد الحق بأدلة تقمع كفر الجاحدين وتهتك سجوف فضائحهم ، وتبين عن عورات مذاهبهم المردية في الهلاك . فهو بطل عربى جرىء مخلص ، يحمل الراية مدافعا عن أصول العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإنكارية المعادية ، وأيضا أمام الجامدين الذين يرفضون العلوم العقلية ، ويزعمون أنهم يدافعون عن الدين » : * * *

--> ( 1 ) يحسن بالقارىء أن يضع كلام الكندي في هذا الكتاب حول طريقته في التأليف وكلامه في الدفاع عن الفلسفة ، بإزاء كلام ابن رشد في كتابه « فصل المقال » حول هذين الموضوعين ، وأن يقارن بينهما ويلاحظ اجتهاد كل منهما في توطين الفلسفة بين المسلمين .