يعقوب بن يوسف الكندي
10
رسائل الكندى الفلسفية
بعد هذا يتكلم المؤلف في « الفن الثاني » عن « الوجود » الإنسانى ، وهو يعنى بذلك - بحسب اصطلاحه - ما يجده الإنسان ، أي ما يدركه ويعرفه ، وأنه على نوعين : أحدهما مادّى حسى ، هو أقرب من الإنسان وفي الوقت نفسه أبعد عند الطبيعة ، وهو الإدراك الحسى للجزئيات ، فهو قريب من الإنسان ، لأن الإنسان يجده بالحس ؛ وهو بعيد عند الطبيعة ، يعنى حقيقة الأشياء ، لأنه متمثّل في النفس . وهذا الإدراك الحسى غير ثابت ؛ ونلاحظ هنا فكرة هرقليط في أن كل شئ هو في تغير مستمر ( - كل شئ يجرى ، يعنى يتغير ، أو : يسيل ، كما يعبر الكندي ) . والثاني عقلي مجرد ، هو أقرب من الطبيعة ، يعنى من حقيقة الأشياء ، وأبعد عن الإنسان ، وهو وجود العقل ، أي إدراكه لما يدركه ، أي إدراكه للكليات من أنواع وأجناس . ثم يحاول الكندي أن يثبت ذلك بوجود هذه الكليات ، أعنى الأنواع المعقولة الثابتة في النفس من غير مثال ، كثبوت القضايا البديهية الاضطرارية ؛ وهو يذكر من أمثلة هذه القضايا الأخيرة فكرة أنه لا يوجد خارج العالم خلاء ولا ملاء ، ويستطرد لإثباتها . أما إنكار اعلاء فلأنه لو كان يوجد الخلاء ، أي المكان الذي لا متمكن فيه ، لتحتم وجود المتمكن ، لأن المكان والمتمكن من المتضايقات المنطقية التي لا يتصور وجود أحدها بدون الآخر . وأما إبطال الملاء ، يعنى المكان المملوء ، خارج العالم ، فلأن القول به يؤدى إلى القول بوجود جسم لا نهاية له خارج العالم ؛ وهذا مستحيل ، لأنه