يعقوب بن يوسف الكندي
26
رسائل الكندى الفلسفية
[ معرفة الحق تكون بمعرفة العلة ] ولسنا نجد مطلوباتنا من الحق من غير علة ؛ وعلة « 1 » وجود كلّ شئ وثباته الحق ، لأن كل ما له إنّيّة « 2 » له حقيقة ؛ فالحق ، اضطرارا ، موجود ، إذن ، لإنيات موجودة . [ عند ابن حزم : إذ الإنيات موجودة ]
--> ( 1 ) يمكن مقارنة معنى العلة هنا بمعناها فيما يلي ( 2 ) في الأصل إنية دون شكل ولا مد ولا تشديد ، وهذا اصطلاح فلسفي قديم ، يعرف مدلوله ، وإن كان ضبطه بالشكل وأصله غير معروفين على التحقيق ، فإذا تابعنا النسخة المطبوعة لكتاب التعريفات للجرجاني وجدنا الكلمة مضبوطة هكذا : آنية ، وهي تدل عند الجرجاني على الوجود العيني ، يعنى المتحقق أمام الحس ، وذلك خصوصا في مقابلة الماهية ، أعنى ما يعقل من الشئ ( راجع مادتى إنية وماهية في التعريفات للجرجاني ) . أما أصل هذا الاصطلاح فهو غامض ، وإن كان بعض مؤلفي العرب مثل أبى البقاء في كتابه الكليات ( ط . القاهرة 1281 ه ص 76 ) يقول إنه مشتق من إن التي تفيد في اللغة العربية التأكيد وتقوية الوجود . فالانية إذن هي كون الشئ موجودا وجودا يستمد قوته من أنه واقع مشاهد . وربما بدا رأى أبى البقاء متكلفا : ولكنا نجد في لسان العرب ( مادة إن ) أنه بحسب رأى النحويين القدماء قد تكون في كلمة إن هاء مضمرة : وذلك في مثل قول القرآن : « إن هذان لساحران » : على تقدير : « إنه هذان لساحران » ، وذلك في لغة بعض قبائل العرب . وقد يلحق بحرف إن الضمير : اجتزاء عن ذكر الشئ : مثل قول ابن قيس الرقيات : ويقلن : شيب قد علا * ك ، وقد كبرت ، فقلت : إنه أي : إنه قد كان . ويقر أبو عبيد هذا على أنه « اختصار من كلام العرب يكتفى منه بالضمير : لأنه قد علم معناه » . وإذن فقد يكون الجواب عن سؤال السائل : هل كذا موجود ؟ أن تقول باختصار : إنه ، أي إنه موجود . فقد يجوز أنه قد صيغ من هذه الكلمة المصدر السماعى ، أعنى الانية . على أن الأستاذ العلامة الدكتور عبد الرحمن بدوي يرى أن رأى أبى البقاء تخليط ؛ ويقول ( كتاب الزمان الوجودي ص 4 - 5 ) إن من الظاهر أن الكلمة العربية - وهو يختار أن يقرأها آنية - « تعريب دقيق » لمصدر الكينونة اليوناني ( ؛ تنطق أيناى ؛ ويقابل الإنجليزية ، والفرنسية ) ؛ ولكن الدكتور بدوي لم يبين لماذا اختير المصدر للتعريب ؛ مع أنه لا يعدو غالبا أن يكون صيغة لغوية محايدة وأنه ، حتى من حيث هو اصطلاح فلسفي في الدلالة على الوجود ، غير مشهور عند اليونان ؛ ولا أبان الأستاذ كيفية التعريب ولا ذكر مراجع لذلك . ولا بد أن يتساءل الباحث :