يعقوب بن يوسف الكندي
155
رسائل الكندى الفلسفية
وبناء على الأصل الأساسي عند الكندي ، وهو استحالة وجود ما لا نهاية له بالفعل ، أيا كان . 5 - وبعد أن ينتهى الكندي إلى وجوب تناهى الجسم والحركة والزمان يقرر أوّليتها وحدوثها جميعا عن ليس ( لا شئ ) بفعل محدث ، وهذا الإحداث أو الإظهار للشئ عن ليس هو « الإبداع » ، بحسب تعريف الكندي للإبداع ، وذلك هو التعريف السادس من رسالته « في حدود الأشياء ورسومها » التي تقدم نشرها 6 - وإذ قد انتهى الكندي إلى إثبات حدوث الكل ، فإنه يبدأ في إثبات أن المحدث واحد ؛ وذلك على أساس أن الكثرة في المحدثين تؤدى إلى التركيب في ذواتهم ، لأنهم لا بد أن يكونوا مشتركين في أمر واحد يعمّهم ، وهو كونهم جميعا فاعلين ؛ كما أنهم لا بد أن يختلفوا بفصول تخصّصهم فكل منهم إذن مركب مما يخصه ومما يعمّه ويعم غيره ؛ وهذا يقتضى حدوث كل منهم ، لأنه يحتاج إلى مركب يركبه . وهذا الدليل نجده في جملته عند فلاسفة الإسلام بعد الكندي . ويختم فيلسوفنا رسالته بعبارات ينزه بها اللّه عن مشابهة المخلوقين . تدل رسالة الكندي هذه على أنه لا يقول بقدم جرم العالم ولا بقدم الحركة والزمان ، وإن كان يجيز أن يكون كلّ من هذه لا نهاية له بالقوة والإمكان دون الفعل ؛ وفي هذا دليل على أن أول فلاسفة الإسلام كان ، خلافا لأرسطو ، متمسكا بالقول بحدوث العالم لإثبات الخالق المبدع - وهذا شأن متكلمي الإسلام بالجملة ، وشأن متكلمي المعتزلة في عصر الكندي ، وهم الذين تمسكوا أشد التمسك بمبدأ حدوث العالم ، معارضين في ذلك للدهربة ولأرسطو .