يعقوب بن يوسف الكندي

132

رسائل الكندى الفلسفية

شئ سابق عليه وعقيدة تفرد الإله بالخلق ومن القول - على صورة فلسفية إجمالية - بسريان الفعل الإلهى في كل الأشياء . ولا نستطيع بسهولة أن نستشف من هذه الإشارة أثرا ما للمذهب الأفلاطونى الجديد ؛ لأننا لا نجد هنا شيئا عن العقول أو النفوس ولا عن الفيض المتدرج ، كما نرى ذلك عند الفارابي مثلا . أما كيف تقع الحوادث ويسرى تأثير الفعل والانفعال في الكون ، فلعلنا لو رجعنا إلى رسالة الكندي في الإبانة عن العلة القريبة الفاعلة للكون والفساد لوجدنا أنه يقرر أن الفلك الأعلى هو المفعول الأول وأنه ، باختلاف حركات ما فيه من أجرام متحركة على أنحاء معينة ، يفعل فيما دونه ، خصوصا في عالم الكون والفساد وفيما على الأرض من الحرث والنسل . ولا يجد الكندي في هذا ما يناقض التوحيد الإسلامي ولا ما يناقض فكرة الخلق الأساسية ، ما دام الفلك مبدعا وما دام ما يقع منه وفيه إنما يقع بإرادة اللّه . أما تقسيم الكندي للفعل إلى قسمين فهو أشبه بتحديد أو وضع للاصلاح بحسب نوعين للفعل الفعل الذي ينتهى بوقوف فعل فاعله ، ولا يترك أثرا محسوسا ، لأنه أشبه بانفعال في الفاعل نفسه ؛ والفعل الذي يكون مصحوبا بفكر ويقصد منه ترك أثر له ، وهذا ما يسميه الكندي باسم العمل . وبحق للإنسان أن يسأل عن سبب تخصيص الكندي رسالة قائمة بذاتها لتحديد مفهوم « الفعل » و « الفاعل » بالمعنى الحق الواقع أن فلاسفة اليونان لم يتوصل تفكيرهم إلا إلى الفعل بمعنى أنه تأثير في شئ موجود بذاته من قبل ، ولذلك وقعوا في القول بأزلية المادة كموضوع للفعل ولم يتوصلوا إلى مفهوم الفعل بالمعنى الحق المطلق ، أعنى فعلا لفاعل بالمعنى الحق المطلق يصدر عنه فعله لذاته ومن ذاته ، ويكون فعله هو أساس أشياء هذا العالم .