صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

79

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

لا يستبقى إلا بالصورة ولا يمكن وجوده إلا بها قوله ولكن لقائل أن يقول مجموع العلة والصورة ليس واحدا بالعدد بل واحد بمعنى عام والواحد بمعنى العام لا يكون علة للواحد بالعدد إلى آخره مبنى هذا الاعتراض على أن العلة الموجبة للشيء يجب أن يكون أقوى تحصلا وآكد وجودا من ذلك المعلول وإن الوجود والوحدة متلازمان ومتساوقان في القوة والضعف فالواحد بالعدد أقوى وحدة من الواحد بالنوع وهو من الواحد بالجنس القريب وهو من الواحد بالجنس البعيد وكذلك الوجود الشخصي أقوى من الوجود النوعي وهو من الوجود الجنسي فحينئذ لقائل أن يقول إذا كانت الصورة لا بعينها علة للهيولي وهي واحدة بالعدد يلزم من ذلك أن يصير الواحد بالعموم علة للواحد بالعدد وهو باطل وإلا لكان المعلول أقوى وجودا من العلة وذلك معلوم البطلان ويمكن الجواب عنه بوجهين أحدهما ما أفاده الشيخ وغيره من الفلاسفة وهو أن العقل لا ينقبض عن أن يكون الواحد بالعموم الذي يستحفظ وحدة عمومه واحد بالعدد وهاهنا كذلك فإن الواحد بالمعنى النوعي بل الجنسي وهو طبيعة الصورة بما صورة على الإطلاق مستحفظ بواحد بالعدد وهو السبب المفارق فيصح أن يكون علة بالعدد وهو المادة والأولى أن يقرر هذا الجواب بأن العقل لا يمنع أن يكون المجموع الحاصل من واحد بالعموم وواحد بالعدد علة لواحد بالعدد أو بأن يقال الأصل هاهنا هو العلة بالحقيقة وهو واحد بالعدد إلا أنه لا يتم إيجابه إلا بانضمام أحد أمور يقارنه أيها كان لا بعينه وإليه أشار بقوله فيكون ذلك الشيء توجب المادة ولا يتم إيجابها إلا بأحد أمور يقارنه أيها كانت فإن ذلك لا يخرجه عن الوحدة العددية بل إنما يجعل الواحد بالعدد تام التأثير والإيجاب من جهة حصول المناسبة بين المفارق المحض البريء عن القوة والانقسام وقبول الكثرة وبين ما هو في ذاته قوة محضة قابلة للانقسام والكثرة بأمر يكون ذا جهتي قوة وفعل ووحدة وكثرة وبالجملة لما كانت طبيعة الصورة الجسمانية بما هي صورة جسمانية من غير تخصص بالنوعيات والشخصيات علة بالذات للهيولي فقد كانت العلة التامة الموجبة لها مؤتلفة الذات من انضمام واحد بالعموم لواحد بالعدد ذاتا شخصية تامة التأثير باقية الوجود والتشخص غير متكثرة بتكثر أفراد تلك الطبيعة المرسلة إذ ليست الأفراد ولا شيء منها جزء العلة فهناك واحد بالعدد والشيخ لم يرد هاهنا أن يصرح باسم ذلك المبدإ الأصل ويبين حقيقة من أنه جوهر عقلي مفارق الذات من جنس الجوهر القادمة التي هي مبادي عالم الطبيعة وغاياتها إذ لبس هاهنا موضع إثبات المفارقات العقلية وسيبحث عن وجودها وصفاتها في المقالة التاسعة ولهذا أعرض عن ذلك وأحال بيانه على ما سيأتي ولكنه يثبت بهذا البيان وجود جوهر عقلي مفارق عن المادة ولواحقها كما لا يخفى على الزكي الفطن وأما الوجه الثاني في الجواب السانح لنا بعونه تعالى فهو أن الهيولى ليست شخصا متعين الذات بل هي مبهمة الهوية ضعيفة الوحدة والوجود حتى إن وحدتها الشخصية شبيهة بالوحدة الجنسية لأنه يكفي في انحفاظ تشخصها مطلق الصورة على أي وجه كانت ثم إن الصورة التي هي الواسطة في وجودها ليست عبارة عن المعنى الذهني والماهية بما هي من غير انضمام وجود الخارجي إليها إذ لا خفاء في أن السبب للهيولي ليس مفهوم الصورة ومعناها بل السبب وجودها الخارجي لا بالخصوص فالعقل لا يمنع من سببيته بمثل هذا العام المتحصل بنحو ما من الوجود بمثل هذا العدد الذي وحدته العددية لا يكون بأقوى من الوحدة الجنسية لأن تعينه الشخصي يحصل بمطلق الصورة لا بصورة خاصة نوعا والجنس بما يحتاج في تعينه النوعي إلى فصل من الفصول النوعية التي هي بإزاء الصور النوعية لا إلى فصل مخصوص وأما الافتقار إلى انضمام الأمر القدسي فليس لأن مرتبة تشخص الهيولى يستدعي الاستناد إلى واحد شخصي البتة بل لأن الصورة في وجودها وكونها سببا افتقرت إليه لتكون طبيعتها محفوظة الوجود به وبواحد من شخصياتها المتعاقبة ومما يوضح ما ذكرناه أنهم ذكروا في كيفية افتقار كل من المادة والصورة إلى الأخرى في التشخص أن تشخص الهيولى بنفس ذات الصورة المطلقة لا بهويتها الشخصية المعينة فالصورة بطبيعتها لا بشخصيتها أقدم من شخصية الهيولى وماهيتها جميعا وأما الصورة فيفتقر في تشخصها إلى هيولى متعينة تعينها مستفاد من الصورة لا من تعين الصورة قوله فالصورة إما صورة لا تفارقها المادة وأما صورة تفارقها المادة ولا يخلو المادة عن مثلها إلى آخره الغرض من هذا التقسيم هنا مع أنه قد استفيد من كلامه فيما سبق هو التمهيد لبيان كيفية استبقاء المادة بكل واحد من القبيلين أما الصورة التي هي من القبيل الثاني وهي القابلة للزوال والفساد بما بعضها فلا بد للسبب المبقي للمادة أن تستبقيها بتعاقب الصور بأنه كلما زالت عنها واحدة من الصور عقب الماضية بالعاقبة فيكون الصورة من وجه واحد شريكة لعلة الهيولى وباعتبار آخر جزء للمجموع الذي هو العلة ومن وجه آخر مفتقرة إلى المادة أعني في تشخصها ومن وجه آخر واسطة