صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

40

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

ثم إنه إذا عرف كونه في الوهميات فزال الأمان عن حكمه في العقليات وإذا لم يبق اعتماد عقلية في البديهيات ففي الفطريات أولى فلئن قلتم هذا اعتراف بأن هاهنا حسا وخيالا وعقلا ونوما ويقظة وخطاء وصوابا وكل ذلك اعتراف بثبوت هذه الأشياء فنقول في الجواب لا شك أن ذلك بنفسه يوجب الاعتراف بالثبوت لكن الذي أوردناه أوقع الشك في الثبوت فلذلك توقفنا ولم نحكم لا بالثبوت ولا بالانتفاء وجرى ذلك مجرى من قام عنده دليلان على طرفي النقيض وعجز عن الترجيح فإنه لا بد من التوقف فلئن حاول محال واستخراج الأجوبة عن هذه الأسئلة كان غالطا أو مغالطا لأن تلك الأجوبة لا شك أنها علوم كسبية مبنية على العلوم الأولية فلم يكن تصحيح هذه العلوم الأولية إلا بتلك العلوم الكسبية التي لا يمكن إثباتها إلا بتلك الأوليات وكان البيان دوريا وهو باطل فهذا غاية ما يمكن به أصحاب الجبرة أورده بعض الأفاضل من قبلهم قوله فالفيلسوف يتدارك ما عرض لأمثال هؤلاء إلى آخره يعني على الفيلسوف وهو الذي يبحث عن ثبوت الأشياء على ما هي عليه في الأعيان وتبيين حال عوارض الموجودات بما هي موجودات أن يتدارك ما اعترى لهؤلاء المتحيرين وأمثالهم ويعالجهم بوجهين الأول حل شبههم المذكورة والثاني تنبيههم وتذكيرهم في أنه لا يمكن أن يكون بين النفي والإثبات واسطة أما حل شبهتهم الأولى بوجوه الأول الإنسان وإن كان من الأفاضل والحكماء فهو جائز الخطاء ليس كالملائكة ومن يحذو حذوهم من صاحب القوة القدسية لتجردهم عن عالم الطبيعة ومعدن الظلمات الذي هو منشأ الآفة والجهل فوقوع منهم أحيانا لا يوجب الظن في العلوم الحقة اليقينية والثاني أن الأفاضل المتخالفين في الرأي ليس يجب أن يكونوا في درجة واحدة من العلم وإصابة الحق سيما في الغوامض الدقيقة فيجوز أن يعلم بعضهم أشياء غامضة لا يدركه الآخرون والثالث أنه يجوز أن بعض العلماء أكثر تحقيقا وإصابة في طائفة أخرى من العلوم والمسائل ولأجل ذلك يقع بينهما مخالفات في عدة من المسائل والعلم باب واسع لا يلزم أن يكون العالم الفحل البارع في العلم مصيبا في جميع المباحث والمقام حتى لا يخالفه عالم آخر قرنه في شيء منها والرابع أن أكثر المتفلسفين وإن يعلم قواعد علم الميزان لكنه كثيرا ما لا يستعلمها اعتمادا على أصل الفطرة والقريحة وقد علم أن الفطرة الإنسانية غير كافية في إصابة الحق في الأفكار والعصمة عن الخطأ ما لم تزن أفكاره بالميزان ليعلم صحيحها من فاسدها فمن ركب متن القريحة من غير هذه الآلة فهو كمن ركض دابة جموحة من غير كف عنان لها أو جذب حطامها فخرج لا محالة من الطريق يمنة ويسرة والركض تحريك الرجل ومنه اركض برجلك وركضت الفرس برجل إذا استحثته ليعدو والكف قد يجيء بمعنى القبض ولا يخفى ما في هذا التشبيه من اللطافة والمناسبة وأما حل شبهتهم الثانية فهو أن بعض الحكماء كسقراط مثلا عادته أن يرمز في أقواله ويأتي بألفاظ ظواهرها مستبشعة تشمئز منه الأفهام أو مخالفة للحق وبواطنها صحيحة حقة وله في ذلك مصلحة مرعية وغرض صحيح حتى إنه لو كان يصرح بمعناها فاتت المصلحة أو لزم منه مفسدة أرجح من المصلحة الإظهار والتصريح بل أكثر الأنبياء المعصومين من السهو والخطأ الذين لم يؤتوا من جهة غلط أو سهو بل أوتوا الحكمة وفصل الخطاب هذه وتيرتهم وشيمتهم فإن كثيرا من آيات القرآن الحكيم وأحاديث نبينا عليه وآله السلام من هذا القبيل وعلى هذه الوتيرة وقوله لا يؤتون على صيغة المجهول وفي بعض النسخ غلطا أو سهوا بالنصب على المفعولية فبهذا المذكور من الجوابين يزيل الفيلسوف شغل قلب المتحيرين من جهة ما استنكروا واستكرهوه من العلماء وهو يخالفهم في الأقوال والآراء وصدور أقاويل منهم غير مقبولة عند أوائل العقول وأما تلك الأمور الثلاثة المذكورة فالمراد من الأول أن المرئي بالذات والمبصر بالحقيقة هو الصورة المنتزعة من الأمور الخارجية وإطلاق المرئي على الأمر الخارجي كما زعمه الناس ليس على الحقيقة عند محصلي الحكماء فإذا كان كذلك فنحن إذا فتحنا العين نحو زيد وأبصرناه ثم إذا أغمضنا العين ثم فتحناها وأبصرناه مرة أخرى فيقال في العرف إن زيدا رئي مرتين وليس الأمر كذلك عند التحقيق لأن المرئي بالذات في كل مرة صورة أخرى فائضة عن المبدإ متمثلة عند النفس فاعلم أن الصور التي هي المدركة بالذات لا يمكن إدراكها مرتين بأن يتخلل بينهما زمان لأن النفس إذا أعرضت عن إدراكها انمحت وعدمت وإذا التفت النفس حصلت صورة أخرى مثلها لأنفسها إذ المعدوم لا يعاد كما علمت فصدق القول بأن الشيء الواحد لا يمكن أن يرى مرتين والمراد من الثاني أن الشيء الخارجي لا يمكن أن يرى أصلا بل المرئي هو الأمر الذي ليس في هذا العالم كما بيناه والمراد من الثالث أحد معنيين الأول أن يكون المراد من الإضافة المضاف المشهوري إذ ما من شيء إلا وقد عرضته الإضافة وأقلها كونه علة أو معلولا فقوله لا وجود لشيء في نفسه أي لا وجود له منفكا عن الإضافة ولا يلزم من ذلك أن يكون من جنس المضاف والثاني أن الموجود منحصر في الواجب تعالى والمعلولات ووجود الواجب هو بعينه مبدئيته وصانعيته للعالم إذ ليست صانعيته للعالم بشيء غير نفس وجوده البسيط كما حقق في مقامه فوجوده نفس قيوميته للأشياء والقيومية ضرب من الإضافة إلى غيرها نفس وجودها فلا وجود لشيء من الموجودات إلا بإضافة ولا يلزم من هاهنا أيضا أن يكون كل شيء