صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
39
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
للموجود بما هو موجود لعمومه في كل موجود قوله والسوفسطائي إذا أنكر هذا فليس ينكره إلا بلسانه وقد علمت أن هذا القول مما لا يمكن إقامة البرهان عليه لكونه أول الأوائل فالمنازع له لا يستحق المكالمة والمناظرة وهو إن لم يكن آفة في عقله أو مرض في قلبه فليس ينكره عقلا بل لسانا فقط فالذي ينازع هذه القضية إما أن ينازع فيها لأنه لم يحصل له تصور أجزائها وإما لكونه معاندا غرضه المماراة وطلب التفوق على الأقران وغير ذلك من الأمراض النفسانية وإما لأجل أنه تعارضت وتعادلت عنده الأقيسة المنتجة للنتائج المتناقضة ولم يكن قادرا على ترجيح بعضها على البعض فإن كان المنازع من القسم الأول فعلاجه تفهيم مفهومات أجزاء تلك القضية وإن كان من القسم الثاني وهو المختص باسم السوفسطائي فعلاجه الضرب والحرق وأن يقال له الضرب واللاضرب والحرق واللاحرق واحد وإن كان من القسم الثالث وهو المسمى بالمتحير فعلاجه حل شكوكه وبالجملة تبكيت السوفسطائي الذي غرضه المماراة والمتحير الذي يريد التخليص عن حيرته إنما يكون على الفيلسوف لأنهما ينازعان في حال من أحوال الموجود بما هو موجود وقوله في كل حال معناه أنه سواء كان القياس الذي يؤتى به في الذب عن هذه القضية قياسا في نفسه أو قياسا بالقياس إذ قد علمت أنه لا يمكن إثبات هذا القول بالقياس في نفسه وبالحقيقة فالأول هو قياس مادته مقدمات صادقة في الواقع وصورته صورة منتجة في الواقع فهو القياس البرهاني والثاني هو قياس مادته مقدمات مسلمة عند الخصم صحيحة وإن لم يكن صحيحة صادقة في الواقع أو صحيحة ولم يكن أعرف من النتيجة وكذلك صورته صورة منتجة عنده وإن لم يكن منتجة في الواقع وهو القياس الجدلي ومعنى القياس المطلق شامل لهما إذ معناه القول المؤلف من القضايا إذا سلمت لزم منها لذاتها قول آخر فيكون ذلك قياسا من هذه الحيثية وليس يلزم أن يكون كل قياس قياسا يلزم منه قول آخر يقتضيه بل قياس كل إنما يكون قياسا لأنه مشتمل على أمور إذا وضعت وأسلمت يلزم منه شيء فهو أعم من القسمين اللذين في نفسه وهو مقدماته سالمة صحيحة سواء سلمت أم لا وأقدم وأعرف من النتيجة والذي هو بالقياس قياس وهو مقدماته مسلمة عند المخاطب وكذا صورته فيلزم النتيجة قوله ومن العجائب أن السوفسطائي الذي غرضه المماراة إلى آخره وذلك لأن كل صاحب غرض إذا تكلم في غرضه يريد إثبات غرضه وينكر خلافه فلا بد أن يعترف بثبوت شيء ونفي مقابله وبإثبات شيء ينتج غرضه وبأن الإثبات ينافي اللاثبات وإذا اعترف بأشياء ينتج له فيلزم عليه الاعتراف بأشياء ينتج عليه فهو لا محالة يضطر إلى السكوت والإعراض عن البحث والتكلم وإما إلى الاعتراف بهذا القول قوله وأما المتحير فعلاجه حل شبهة وظاهر أن الشبهة التي يستدعي حيرة مثل هذا المتحير تكون من قبيل هذه الأمور التي ذكرها الشيخ أحدها تناقض آراء الأفاضل المشهورين بالحكمة والعرفان كرأي أرسطوطاليس إذا خالف رأي أفلاطن في كثير من المسائل وكل منهما قرن الآخر لا يقتصر أحدهما عن الآخر قصورا يوجب تجويز مثل هذه المخالفات بينهما فلا يكون قول أحدهما أولى بالقبول والصدق من قول الآخر الذي نقيضه وثانيها سماع أقاويل مخالفة للعقل بحسب أوائل فطرته عن الأكابر المعروفين بالفضل والكمال المشهود لهم بالإصابة في الرأي وحسن السيرة والصدق في الكلام كقول من قال إن الشيء الواحد لا يمكن أن يرى مرتين وأن مثل زيد مثلا لا يمكن أن يرى مرة واحدة فكيف مرتين وأن لا وجود لشيء في نفسه بل بالإضافة وأمثال ذلك كثير في أقوال الحكماء وأكثر منها في كلمات الأنبياء والأولياء ع وإدراك هذه الأمور يحتاج إلى فطرة أخرى وعقل مستفاد ثان ولا يكفي فيه العقول الأولية فكونها موجبا لتحير الشادي غير مستبعد وسيأتي حل هذه الرموز وثالثها أن يجتمع عند الإنسان أقيسة متناقضة النتائج متضادة الأحكام لا يقتدر على اختيار بعضها وإبطال الآخر المقابل له وهاهنا وجه رابع وهو أن يحصل عندهم قياس مغالطي دال على أن لا وثوق لنا بشيء من المدارك فيلزم من ذلك الشك في الحقائق كلها وعدم الجزم بشيء منها فلهم أن يقولوا نحن إنما جزمنا بثبوت هذه الحقائق لما نجد من أنفسنا الإحساس بالمبصرات والمسموعات والتألم بالمولمات والتلذذ بالملذات ثم إنا بعد أن نجد الجزم من أنفسنا بأمثال هذه الأشياء نعلم في وقت آخر أن ذلك الجزم كان باطلا فارتفع أماننا عن الحسن والبديهة وبيان ذلك أن الطريق إلى معرفة الأشياء إما الحس والتخيل أو العقل ولا وثوق على أحد من هذه الثلاثة أما الحس فلأنه نرى المتحرك ساكنا مثل الظل والساكن متحركا مثل الساحل لمن كان في السفينة الجارية ونرى الصغير كبيرا إذا حال بين الرائي والمرئي بخارات رطبة والكبير صغيرا إذا كان بعيدا وأيضا الحس المشترك يرى القطرة النازلة خطا مستقيما والنقطة الدائرة بسرعة دائرة والمبرسم أو المجنون يرى صورا لا يرتاب في ثبوتها وهي غير موجودة وأما التخيل فلأن النائم يرى في الرؤيا أمورا يجزم بها ولا يرتاب في كونها كذلك ثم بعد الانتباه متيقن أن كل تلك الاعتقادات كانت ظنونا باطلة وتخيلات فاسدة وإذا كان كذلك فمن المحتمل أن يكون هاهنا نشأة نسبتها إلى النشأة اليقظة كنسبة حالة اليقظة إلى حالة المنام فيعرف فيها أن كل ما تخيلناه أو أحسنا به كان باطلا وأما العقل فلأن تصديقه بالأمور إما أن يكون بديهيا أو كسببيا أما البديهيات فلا تعويل لها أما أولا فلأن حكم العقل بالقضايا التي يسمى عقلية كحكمه بالقضايا التي تسمى وهمية