صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
29
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
يتضح بطلان القول بإعادة المعدوم لأن أول شيء محال يلزم فيه مع قطع النظر عن الحجج الدالة على استحالتها أنه يخبر عنه بالصفة الوجودية بل بالوجود لأن المعاد ضرب من الوجود كالمستأنف وقد فهمت أن المعدوم لا يوصف بصفة على الإطلاق سواء كانت سلبية أو إيجابية فضلا أن يوصف بصفة وجودية فكيف بنفس الوجود [ في امتناع إعادة المعدوم ] قوله وذلك أن المعدوم واعلم أن هذه المسألة أي قولنا المعدوم لا يعاد بديهية أولية بعد تذكر معنى الوجود والعدم والإعادة وذلك لأن الوجود كما عرفت ليس إلا نفس هوية الشيء الوجودي وكذا العدم ليس إلا بطلان الشيء المسمى بالمعدوم فكما لا يكون لشيء واحد إلا هوية واحدة فكذا لا يكون له إلا وجود واحد وعدم واحد فلا يتصور وجودان لذات واحدة بعينها ولا فقدان لشخص واحد بعينه فإن المعدوم لا يعاد كيف وإذا كانت الهوية الشخصية المعادة هي بعينها الهوية المبتدأة على ما هو المفروض فكأن الوجود أيضا واحد فإن وحدة الهوية عين وحدة الوجود وقد فرض متعددا هذا خلف ويلزم أيضا أن يكون حيثية الابتداء حيثية الإعادة مع كونهما متنافيان هذا محال وقس عليه تكرر عدم شيء واحد بعينه فهذا القدر كاف للمستبصر ولا حاجة إلى ما ثخنوا به الكتب من الأدلة التي ليست إيضاحها أزيد مما ذكرناه ولهذا حكم الشيخ بالبداهة على قولنا المعدوم لا يعاد كما سيصرح به واستحسنه الخطيب الرازي حيث قال كل من رجع على فطرته السليمة ورفض عن نفسه الميل والعصبية شهد عقله الصريح بأن إعادة المعدوم على التنبيه أول ممتنع لكن ذكر الوجه الأول ما يلزم فيه من اتصاف المعدوم بالوجود وذكر الوجه الثاني للتنبيه على لزوم محال آخر قوله وذلك أن المعدوم إذا أعيد إلى آخره تقريره أنه لو جاز إعادة المعدوم بعينه لجاز أن يوجد معه ابتداء ما يماثله في المهية وجميع العوارض لأن حكم الأمثال واحد ولأن وجود فرد لكل من هذه الصفات من الممكنات واللازم باطل لعدم التميز بينه وبين المعاد لأن التقدير اشتراكهما في المهية وجميع العوارض فلو كان الفرق بأن أحد المثلين هو الذي كان معدوما والمثل الآخر ليس الذي كان معدوما رجع إلى أن هذا في حال العدم كان غير ذلك فقد صار المعدوم موجودا إذ صار مخبرا عنه كما سبق واعترض عليه بوجهين أحدهما أن عدم التميز في نفس الأمر غير لازم كيف ولو لم يتميزا لم يكونا شيئين وعند العقل غير مسلم الاستحالة إذ ربما يلتبس على العقل ما هو متميز في الواقع وثانيهما أنه لو تم هذا الدليل لجاز وقوع شخصين متماثلين ابتداء بعين ما ذكرتم ويلزم عدم التميز وحاصله أنه لا تعلق لهذا البحث بإعادة المعدوم أقول الجواب أما عن الأول فبأن التميز بين شيئين بحسب نفس الأمر لا ينفك عن التخالف إما في المهية وإما في العوارض الشخصية فإذا لم يكن لم يكن وقوله لو لم يتميزا لم يكونا شيئين من باب أخذ المطلوب في بيان نفسه لأن الكلام في أنه مع تجويز الإعادة لشيء وفرض مثله معه لم يكونا اثنين لعدم الامتياز بينهما مع أن أحدهما معاد والآخر مستأنف وأما عن الثاني فبأن فرض الشيئين من جميع الوجوه حيثما كان وإن كان دفعا للامتياز الواقعي لكن فيما نحن فيه يلزم ذلك مع تحقق الامتياز الواقعي بمجرد وضع الإعادة قوله وعلى أنه لو أعيد هذا وجه آخر في استحالة إعادة المعدوم وهو أنه لو جاز إعادة المعدوم بعينه أي بجميع لوازم شخصيته وتوابع هويته لجاز إعادة الوقت الأول لأنه من جملتها ولأن الوقت أيضا معدوم فيجوز إعادته لعدم التفرقة بين الزمان وغير الزمان في تجويز الإعادة أو بطريق الإلزام على من يعتقد هذا الرأي لكن اللازم باطل لإفضائه إلى كون الشيء مبتدأ من حيث إنه معاد إذ لا معنى للمبتدأ لا الموجود في وقته ففيه مفاسد أربعة تقدم الشيء على نفسه بالزمان وهو في الاستحالة كتقدمه على نفسه بالذات وجمع بين المتقابلين ومنع لكونه معادا لأنه الموجود في الوقت الثاني لا الموجود في الوقت الأول ورفع للتفرقة والامتياز بين المبدإ والمعاد حيث لم يكن معادا إلا من حيث كونه مبتدأ والامتياز بينهما ضروري وهذا الوجه لا يبتني على كون الزمان من المشخصات بل يكفي كونه من الأمور التي هي أمارات للتشخص ولوازم للهوية العينية التي لها أمثال من نوعها واقعة في الأحياز والأوضاع والأزمنة واعترض على هذا الدليل بأنا لا نسلم أن ما يوجده في الوقت الأول يكون مبتدأ وإنما يلزم ذلك لو لم يكن الوقت أيضا معادا ثم بهذا الكلام أورد على ما يقال لو أعيد الزمان بعينه لزم التسلسل لأنه لا مغايرة بين المبتدأ والمعاد والمهية ولا بالوجود ولا بشيء من العوارض المشخصة وإلا لم يكن له إعادة بعينه بل بالسابقية واللاحقية بأن هذا في زمان سابق وهذا في زمان لاحق فيكون للزمان زمان فيعاد بعد العدم ويتسلسل أقول في دفعها أنه لا يحتجبن عن فطانتك أن السبق والابتداء واللحوق والانتهاء من المعاني الذاتية لأجزاء الزمان كما حقق في مقامه وبالجملة وقوع كل جزء من أجزاء الزمان حيث وقع أو يقع من الضروريات الذاتية للهوية الزمانية لا يتعداها وكذا نسب كل جزء إلى غيره من بواقي الأجزاء فلو فرض وقوع يوم الخميس يوم الجمعة كان مع فرض وقوعه يوم الجمعة يوم الخميس وكذا لو فرض وقوع أمس في الغد كان مع كونه في الغد أمس