صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

30

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

لأن كونه أمسا مقوم له لا يمكن انسلاخه عنه فحينئذ يقول الزمان المبتدأ كونه مبتدأ عين هويته فلو فرض كونه معادا لا ينسلخ عن هويته فيكون حينئذ مع كونه معادا بحسب الفرض مبتدأ بحسب الحقيقة لأنه من تمام فرضه فاستقر الأساسان وانهدم الجوابان واعلم أن الزمان عند المتكلمين ليس بموجود حقيقي بل هو عبارة عن أمر نسبي هو موافقة أمر لحادث غريب يجعلونه تاريخا وهو مأخوذ من العرف ولهذا ردد الشيخ ليكون البيان شاملا لذهبهم إلزاما لهم [ الفصل السادس : في الواجب والممكن ] قوله ونعود إلى ما كنا فيه إلى آخره لما ذكر أن معنى الوجود والشيئية العاميين هما أعرف الأشياء تصورا ووجودا وأشار إلى أن لا مفهوم بعدهما أعرف ولا أقدم من الضروري واللاضروري فإذا نسبت الضرورة إلى الوجود يكون وجوبا وإذا نسبت إلى العدم كان امتناعا وإذا نسبت اللاضرورة إلى أحدهما أو كليهما كان الإمكان العام أو الخاص فعاد إلى خواص كل منها بحسب المعنى والمفهوم لأن الخواص والأعراض الذاتية للأقسام الأولية للموضوع هي كالمبادي للأحوال الذاتية لأقسام الأقسام فينبغي تقديمها قوله إن الأمور التي تدخل في الوجود اعلم أن القوم أول ما اشتغلوا بالتقسيم للشيء إلى هذه المعاني الثلاثة نظروا إلى حال المهيات الكلية بالقياس إلى الوجود والعدم بحسب مفهومات الأقسام من غير ملاحظة نسبتها إلى ما في الواقع بمقتضى البرهان فوجدوا أن لا مفهوم كليا إلا وله الاتصاف بواحد منها فحكموا أولا بأن كل مفهوم بحسب ذاته إما يقتضي الوجود أو يقتضي العدم أو لا يقتضي شيئا منهما فحصل الأقسام الثلاثة الواجب لذاته والممكن لذاته والممتنع لذاته وأما احتمال كون الشيء مقتضيا للوجود والعدم جميعا فيرتفع بأدنى التفات من العقل وهذا هو المراد من كون الحصر بين الثلاثة عقليا ثم لما جاءوا إلى البرهان وجدوا أن إحقاق كون المهية مقتضية لوجودها أمر غير معقول بالبرهان وإن خرج من التقسيم في أول الأمر فوضعوا أولا معنى الواجب على ذلك فإذا شرعوا في شرح خواصه انكشف معنى آخر لواجب الوجود وهو ما وجوده نفس ذاته وهذه عادتهم في بعض المواضع لسهولة التعليم وأما الشيخ فسلك في التقسيم مسلكا أقرب إلى التحقيق وهو أن كل موجود إذا لاحظه العقل واعتبر ذاته من حيث هي هي وجرد النظر عما عداه إليه فلا يخلو إما أن يكون بحيث يجب له الوجود بأن يكون ذاته بذاته مصداقا لحمل الموجود بالمعنى العام أولا يكون كذلك فالأول هو الواجب بذاته والحق الأول وأما الثاني فهو لا يكون ممتنعا حيث جعل المقسم الموجود فلنسميه ممكنا سواء كان مهية أو إنية فالممكن ما يفتقر في كونه موجود إلى شيء وراء نفس ذاته وهو الأمر الذي به يصير محكوما عليه بالوجود سواء كان بانضمام شيء إليه أو بتعلقه إلى شيء فالأول كالمهيات الموجودة والثاني كالوجودات فموجودية المهيات بانضمامها بالوجود أو اتحادها به وموجودية الوجودات بصدورها عن الجاعل التام جعلا بسيطا فمصداق حمل الموجود العام ومبدأ انتزاعه في الواجب لذاته هو نفس ذاته بذاته بلا اعتبار حيثية أخرى تقييدية أو تعليلية وفي الممكن بواسطة حيثية أخرى غير نفس الذات انضمامية أو اتحادية إذ أريد به مهية من المهيات أو ارتباطية تعليقية إذا أريد نحو من أنحاء الوجودات فإمكان المهيات الخارجة عن مفهوماتها الوجود والموجود عبارة عن لا ضرورة وجودها وعدمها بالنظر إلى ذاتها من حيث هي هي وإمكان نفس الوجودات هو كونها بذواتها متعلقات ومرتبطات وبحقائقها تعلقات وروابط إلى الواجب الحق بذاته فحقائقها حقائق تعليقية وذواتها ذوات فيضانية لمنبع الوجود وهي كأشعة لنور الأنوار بخلاف المهيات فإنها ثابتة في أنفسها وإن لم يكن ثابتة قبل الوجود إلا أنها أعيان متصورة بكنهها ما دام وجودها ولو في العقل فإنها ما لم يتنور بنور الوجود لا يمكن الإشارة إليها بأنها ليست موجودة ولا معدومة في وقت من الأوقات فهي باقية على احتجابها الذاتي وبطونها الأصلي أزلا وأبدا وتمام التحقيق في هذا المقام يطلب من الأسفار الأربعة قوله إن الواجب الوجود بذاته لا علة له إلى آخره ذكر من خواص الواجب بذاته خمسة أمور أصلية يتفرع عنها غيرها من الخواص أحدها أنه لا علة له وثانيها أنه واجب الوجود من كل جهة وثالثها أنه لا مكافىء له ورابعها أنه بسيطة الحقيقة لا تركيب فيه وخامسها أنه لا مشارك له في الحقيقة فيترتب على هذه الأمور أنه لا تعلق له بغيره ككونه عرضا لموضوع أو صورة لمادة أو مركبا من عدة أشياء أو متغيرا في ذاته أو في صفة متقررة لذاته فلا موضوع له ولا مادة له ولا صورة له ولا جنس له ولا فصل له ولا حد له ولا فاعل له ولا غاية له ولا مشارك في وجوده الخاص أما الاشتراك في مطلق الوجود فلا يلزم منه تركيب ولا مفسدة أخرى فذكر من خواص الممكن أنه محتاج في وجوده وعدمه إلى علة وأنه مما يجب وجوده أو عدمه بعلة وأنه ليس بسيط الحقيقة قوله أما أن الواجب الوجود لا علة له لا يجوز أن يكون شيء واحد واجب الوجود بذاته وبغيره بل لا بد أن يكون الموصوف بواجب الوجود بغيره ممكن الوجود لذاته لأنه إن دفع ذلك الغير أو لم يعتبر وجوده لم يخل إما أن يبقى وجوب وجوده بحاله أو لا يبقى فإن بقي فلا يكون وجوب وجوده بغيره وإن لم يبق فلا يكون وجوب وجوده بذاته فثبت أن كل ما وجب وجوده بغيره فهو لا يكون واجب الوجود بذاته لاستحالة اجتماع المتناقضين فلا محالة يكون ممكن الوجود