صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

24

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

العلم مسبوق بتصور الوجود والعدم والسابق في التصور على الأولى أولى بأن يكون أوليا فتصور الوجود بديهي أولي الثاني أن علم كل إنسان بوجود ذاته غير مكتسب وهو متضمن الموجود المطلق فعلم بالوجود المطلق سابق على العلم بوجوده السابق على الأولى أولى بأن يكون أوليا فتصور الوجود بديهي أولي ولنا في هذا المقام خوض في عرفان الوجود ليس هنا موضع بيانه وأما بيان الثاني وهو امتناع تعريف الوجود فبأنه لو أمكن تعريفه فهو إما أن يكون بنفسه أو بأمر داخل فيه أو بأمر خارج عنه والأول ظاهر البطلان وهو كون الشيء معلولا قبل كونه معلوما وكذا الثاني لأن أجزاءه إن كانت كلها وجودات أو معلومات أو بعضها كان الوجود الواحد وجودات وكان الفرد جزءا من الطبيعة ويلزم أيضا احتياج الشيء إلى مثله وإن لم يكن وجودية فعند اجتماعها إما أن يحدث صفة الوجود أو لا يحدث فإن لم يحدث كان الوجود عبارة عن الأمور العدمية وإن حدثت لها صفة الوجود فيكون ذلك المجموع مقدما عليه إما فاعلا أو قابلا له فيكون التعريف بالذاتي تعريفا بالخارجي هذا خلف وأما التعريف بلوازمه الخارجة فهو أيضا باطل لأنا ما لم نعرف وجود ذلك اللازم واتصاف الوجود به لم يكن ذلك معرفا له والاتصاف أيضا ضرب من الوجود لأنه عبارة عن وجود الوصف لشيء فيلزم تعريف المطلق بالمقيد بل تعريف الوجود بالموجود وأما بيان الثالث وهو أن الوجود أول الأوائل في التصور وذلك لأنه أعرف الأشياء فإن معرفة كل شيء عبارة عن حصوله لنا وفي ضمنه مطلق الحصول فمطلق الحصول أقدم وأعرف من حصول كذا وحصول ذلك والحصول مرادف للوجود وهذا أمر وجداني والمنازع هاهنا مكابر قوله ولذلك من حاول إلى آخره اعلم أن قوما كانوا يحدون جميع الأشياء وحد الوجود أيضا لما التزموا ذلك وقد علمت بطلان ذلك ووجوب انتهاء المبادي في العلوم إلى الأوليات وأنه لا يتبين الشيء بما هو أخفى أو يساويه في المعرفة والجهالة وقد علمت بطلان التعريف للوجود على الوجه المطلق من حيث إن كل ما يوصف به الوجود يوجب كون ما وصف به موجودا في نفسه وموجودا للوجود فذلك تعريف للشيء بما لا يعرف إلا به فإن الموجود من حيث إنه موجود لا يعرف إلا بالوجود فكيف يعرف به الوجود ومنهم من عرف الوجود بأنه الذي ينقسم إلى القديم والحادث وهما لا يعرفان إلا بالوجود مأخوذا مع اعتبار سبق عدم أو لا سبقه قوله وهذا إن كان ولا به إلخ مراده لو سلم أنها قسمان ذاتيان للوجود لازمان له بأن لا يخلوا عنهما البتة فهما من أقسام الموجود والموجود أعرف منهما إذ كثيرا ما يتصور الوجود مع الذهول عن معرفتهما قوله لم يتضح لي ذلك إلا بقياس إلى آخره ومن سخيف الكلام ما أورده بعض الناس على الشيخ من أنا نعرف الفاعل والمنفعل من طريق الحس من غير حاجة إلى قياس ولم يتفكر هذا القائل أن الفاعلية ليست من الأمور التي ينالها الحس ولم يتفكر أيضا أنها إذا كانت محسوسة فهي من أي جنس من المحسوسات وبأية حاسة يقع إدراكها وأعجب من هذا أن الشيخ قد نبه في الفصل الأول من هذا العلم على فساد زعمه حيث قال وأما الحس فلا يؤدي إلا إلى الموافاة وليس إذا توافى شيئان واجب أن يكون أحدهما سبب الآخر فإذا لم يمكن إدراك مطلق السبب والمسبب بالحس فبأن لا يمكن إدراك الفاعل والمنفعل به كان أولى إذ العام من كل معنى أعرف من الخاص منه عند الحس أيضا كما عند العقل كما حققه الشيخ في أوائل الطبيعيات قوله ونقول إن معنى الوجود ومعنى الشيء إلى آخره لما فرغ من بيان أن كلا من مفهومي الموجود والشيء بديهي مستغن عن التعريف وإن كان لكل منهما ألفاظ مترادفة حاول بيان أنهما متغايران في المعنى ومتساوقان في التحقق ليس أحدهما أعم تناولا من الآخر أما بيان الأول فيقوله فإن لكل أمر حقيقة هو بها ما هو إلى آخره وأما بيان الثاني فيقوله ولا يفارق معنى الوجود إياه إلى آخره وحاصل ما علل به للاختلاف بينهما أنه يصح أن يقال حقيقة كذا موجودة ولا يصح أن يقال حقيقة كذا شيء وفي هذا التعليل نظر فإن للمنازع أن يمنع عدم صحة أن يقال حقيقة كذا شيء أو يمنع الفرق بينهما في الصحة وعدمها وعكس الأمر فإن الجمهور اعترفوا بأن الحقيقة لائق حقيقة إلا عند اقتران الوجود بها فيكون قوله حقيقة كذا موجودة كأنه يقال المهية المقترنة لها بالوجود وجود وأما التعليل في عدم صحة أن يقال إن حقيقة كذا شيء لأنه غير مجهول فليس بتام لأنه ليس من شرط ما يصح أن يقال أن يكون مجهولا البتة فالبديهيات التي هي مبادي الأول صحيحة وإن كانت غير مجهولة قوله وهو الذي سميناه الوجود إلى آخره اعلم أن المفهوم من كلام الشيخ في هذا الموضع أن لفظ الوجود مشترك بين أمرين فقد يطلق ويراد به المفهوم العام البديهي وقد يطلق ويراد به المهية المخصوصة كمهية المثلث ومهية الإنسان والحق أن لكل من الوجود والشيئية مفهوم عام مشترك وأمور مخصوصة في الأعيان والأذهان يطلق عليها ذلك المفهوم لا باشتراك الاسم فقط نعم الوجود مقول بالتشكيك على أفراده بوجوه من التشكيك ففي بعضها أقوى وفي بعضها أضعف وفي بعضها أقدم وفي بعضها ليس كذلك والمهيات ليست كذلك وأيضا الوجودات الخاصة أمور مجهولة الأسامي شرح أسمائها أنه إنسان أو فلك أو مثلث أو غير ذلك ثم يلزم الجميع في الذهن الأمر العام