صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
20
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
الطبيعة وستعلم الحال في كيفية ذلك في موضعه وحاصل ما ذكره الشيخ في دفع هذا السؤال أما من جهة الحساب فبأن جعل موضوعه عددا مختصا بالماديات والمحسوسات وأما من جهة الهندسة فيتحقق أن المبحوث عنه فيها إن كان الأنواع الثلاثة أعني الخط والسطح والجسم على الوجه المختص فهي أمور متعلقة الوجود بالمادة والطبيعة وإن كان الوهم تجردها والقول بتجردها عن المادة في الوجود الخارجي باطل عنده كما سيجيء وإن كان المبحوث عنه هو المقدار المطلق لا المختص بأحد الثلاثة فيجب أن يكون مأخوذا على وجه يستعد لعروض الأشكال والنسب المقدارية المختلفة من التثليث والتربيع والتكعيب والفصل والوصل وغير ذلك وبالفرق بين المقدار الذي هو بمعنى البعد مطلقا وهو المقوم للهيولي المقدم بالذات على الجسم وبين المقدار الذي هو من باب الكم القابل للمساواة واللامساواة والتقسيمات والتشكيلات من جهة المادة المستعدة لأية نسب وأشكال اتفقت وهذا هو المبحوث عنه في الهندسة دون الأول ولقائل أن يقول إن الأقسام الأولية للمقدار أي الخط والسطح والجسم لما كان كل واحد منها مجعولا مع المقدار بجعل واحد ولا يكون للمقدار بما هو مقدار وجود إلا بواحد منها كما هو شأن الجنس مع الأنواع البسيطة تحته فكيف جوز الشيخ مفارقة المقدار المطلق عن الطبيعة في القوام ولم يجوز مفارقة الخطوط والسطوح والمجسمات مع أنه لا قوام للمقدار إلا بواحد من هذه الأنواع البسيطة على أن الحق أن لكل من هذه الأقسام إمكان تحقق في غير هذا العالم مفارقا عن الطبيعة كما سيظهر لك منا إن شاء الله تعالى فالأولى أن يذكر في هذه الأقسام أيضا ما ذكره في مطلق المقدار من أن كلا من الخط والسطح والجسم الذي جعل موضع الهندسيات ويبحث عن أحواله المهندسون هو ما من شأنه أن يقبل النسب الوضعية والأجزاء والأقسام والتجذير والتكعيب وغير ذلك من الصفات التي لا يمكن عروضها لشيء من أنواع المقدار إلا بعد تعلقه بالمادة الطبيعية قوله وقد عرفت في شرحنا للمنطقيات والطبيعيات إلى آخره الفرق الذي ذكره في ذينك العلمين هو أن الجسم الذي هو قبل الطبيعة وهو مقوم للهيولي هو جوهر يفرض له أبعاد ثلاثة متقاطعة على قوائم وتلك الأبعاد امتدادات مطلقة لا يعتبر فيها أنها على أي حد ونهاية ولا يتعين فيها مرتبة من الطول والقصر فلا يخالف فيها جسم لجسم ولا الجسم بهذا المعنى قابل لنسبة من النسب كالتنصيف والتضعيف والتثليث والتربيع والتجذير والتكعيب والمساواة والمفاضلة وغيرها والجسم الذي هو بعد الطبيعة وهو يتقوم بالمادة هو القابل للأبعاد المحدودة الذي يوجد فيه الجزء العاد الماسح له بالقوة وهو القابل لأية نسبة من تلك النسب المذكورة وهو الذي يصلح لأن ينظر في أحواله المهندسون ويتكلم في لواحقه الذاتية الرياضيون وكذلك السطح الذي هو قبل الطبيعة غير السطح التعليمي الذي يبحث عنه المهندسون فإن له صورة غير الكمية وتلك الصورة هي أنه بحيث يصح أن يفرض فيه بعدان على الصفة المذكورة وذلك له لأجل أنه نهاية شيء ما يصح فيه فرض ثلاثة أبعاد وأما السطح بالمعنى الآخر هو الذي من باب الكمية فهو كمية السطح بالمعنى الأول ونسبته إلى ذلك كنسبة الجسم الذي من باب الكم إلى الجسم الذي من مقولة الجوهر وكذلك حكم الخط في معنييه أحدهما مطلق البعد الواحد وهو غير قابل للمساواة واللامساواة الثاني الذي يكون ذراعا أو ذراعين فيكون الجسمية التي من باب الكم وإن كانت من لوازم الجسمية التي هي الصورة ضرورة ما يلزمها من التناهي والتحدد لكن صورة الجسم إذا جردت بكميتها أو جردت منها الكمية مأخوذة في الذهن يسمى المجرد جسما تعليميا والعجب من الشيخ أن هذا الفرق كما أثبته وذكره في نفس المقدار أثبته وذكره في أنواعه الثلاثة أيضا فبما ذا حكم فيها بعدم المفارقة عن المادة من كل وجه دون المقدار نفسه وقد علمت أنها متحدة الوجود مع المقدار لا قوام له إلا مع شيء من هذه الثلاثة قوله فالشبهة فيه آكد إلى آخره وذلك لأن من أفراده ما وجد قبل الطبيعة مفارقا عنها من كل وجه واعلم أن القبلية أو البعدية قد يكون حقيقية وقد يكون إضافية فالقبل الحقيقي ما لا يكون قبله قبل والبعد الحقيقي ما لا يكون بعده بعد فعلى هذا توصيف موضوع هذا العلم بأنه ما قبل الطبيعة أو ما بعدها بالاعتبارين يمكن أن يكون من جهة المعنى الحقيقي منهما وأما موضع التعليميات فتوصيفه بالقبلية أو البعدية إنما يكون بحسب المعنى الإضافي منهما على أن التسمية مما يكفي فيها أدنى مناسبة ولا يلزم فيها ما يلزم التعريفات من الاطراد والانعكاس قوله ولكن البيان المحقق إلى آخره قد سبق في تعريف الحكمة النظرية وتقسيمها إلى أقسامها الثلاثة ما يندفع به هذا الإشكال الذي حمل صاحب المطارحات على أن جعل علم الحساب من الفلسفة الأولى وهو بعينه ما يذكره الشيخ في هذا الموضع من الفرق بتخصيص العدد المبحوث عنه في علم الحساب بما يعرض الماديات واعلم أن هاهنا فرق آخر بين طبيعة الكثرة والعدد مطلقا وهو المؤلف من الوحدات على الإطلاق من غير أن تعتبر فيها تماثل في الوحدات ولا كونها على حد خاص ومرتبة معينة لا على وجه الخصوص ولا على وجه العموم ككونه عشرة معينة أو مائة