صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

15

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

مبدأ المبادي لا مبدأ له وهو مبدأ المبادي ومسبب الأسباب من غير سبب قوله وله حد العلم الإلهي إلى آخره اعلم أن تعريفات العلوم كلها حدود واصطلاحية كما بين في مقامه فحد العلم الإلهي هو العلم بأمور لا يفتقر في وجودها وحدودها إلى المادة فهذا الحد شامل لجميع مباحث هذا العلم فإن وقع لشيء من موضوعات مسائله اقتران بمادة لم يلزم من ذلك أن يكون له افتقار ذاتي إليها كيف ولو كان الافتقار إليها ذاتيا له لما تحقق فرد منه مفارقا عنها وليس كذلك فإن العلة والمعلول والواحد والكثير والمتقدم والمتأخر وغير ذلك توجد وهي مفارقات عن المادة هذا ثم إنه وإن كان الأليق بهذا الاسم والحد الذي بحسبه هو قسم الربوبيات والمفارقات المحضة لأنه علم بأمور هي مفارقة عن المادة من كل وجه معنى وذاتا حدا ووجودا ولكن لا يخلو قسم مما يبحث في هذا العلم من حيثية المفارقة ويبحث عنه من تلك الحيثية ولأجل ذلك أخذ في التفضيل قوله بل الأمور المبحوث عنها فيه أقسام أربعة إلى آخره هذه قسمة أخرى للأمور المبحوث عنها في هذا العلم بحسب نسبتها إلى المادة فأحد الأقسام أمور شديدة البراءة عن المادة مفارقة عنها من كل وجه وثانيها أمور مخالطة للمادة ولكن مخالطة السبب للمسبب به ومخالطة المقوم للمتقوم به والمتأخر للمتأخر عنه لا بالعكس وثالثها أمور عامة ومعان كلية يصح لها أنحاء من الوجود بعضها إلهية وبعضها تعليمية وبعضها طبيعية فهي إذا خالطت المادة مفتقرة إليها لم يكن ذلك الافتقار إليها من حيث طبائعه المشتركة ولا من حيث وجوداتها المطلقة بل من حيث خصوصية بعض أفرادها ونحو وجودها الطبيعي فهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في أنها غير مفتقرة إلى المادة مهية ووجودا ومشتركة أيضا في أن البحث عنها وعن أعراضها الذاتية وأقسامها الأولية لا يقع إلا في العلم الأعلى والحكمة القصوى ورابعها أمور مادية الوجود طبيعية الكون كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق وغير ذلك من الأمور الطبيعية والعوارض المادية ولكن يبحث عنها في هذا العلم إلا من هذه الحيثية بل من حيث أحوالها العامة ككونها واحدا وموجودا أو ممكنا عاما أو كثيرا أو ما يجري مجرى هذه الأوصاف إذ ما من شيء إلا وله جهة إلهية فإن الإنسان مثلا وإن كان أمرا طبيعيا لكن له جهات وأوصاف بعضها إلهية ككونه موجودا أو واحدا أو جوهرا أو غير ذلك وبعضها تعليمية ككونه طويلا أو مستقيما أو عظيما أو نحو ذلك وبعضها طبيعية ككونه أسود أو حارا أو غضبانا أو خجلا أو غير ذلك فإذا وقع البحث عنه من الجهات التي يجري مجرى القبيل الثاني كان بحثا تعليميا داخلا في العلم الرياضي وإذا بحث عنه من جهة الصفات التي يجري مجرى قبيل الثالث كان بحثا طبيعيا داخلا في العلم الطبيعي وبالجملة ما من شيء إلا ويمكن فيه نظر إلهي من حيث له رابطة وجودية ونسبة قيومية ولذا قال له ما في السماوات وما في الأرض وإن من شيء إلا يسبح بحمده ورحمتي وسعت كل شيء فالوجودات متعلقة بمبدإ الوجود وإنما يقع التعلق لها إلى المادة من حيث نقائصها وإعدام ملكاتها وانفعالاتها كما سيتضح لك سبيله إن شاء الله ولأجل ذلك يمكن للحكيم الإلهي أن يدرج كثيرا من المسائل الطبيعية والتعليمية والمنطقية في هذا العلم بحسب قوة نظره وعموم قواعده وأحكامه ونحن قد سلكنا بفضل الله هذا المسلك وأدرجنا كثيرا من المسائل الطبيعية تحت العلم الإلهي في كتابنا المسمى بالأسفار الأربعة فهذه الأقسام الأربعة المبحوث عنها في هذا العلم كلها مشتركة في أن النظر فيها حكمي إلهي وفي أن البحث عنها ليس من جهة وجوده المادي بل من جهة وجودها المطلق ومن جهة معان فيها غير مفتقرة الوجود إلى المادة قوله هي وكما أن العلوم الرياضية إلى آخره موضوع علم الهيئة هو السماء والكواكب وموضوع الموسيقى هو الأصوات والنغمات ففي هذين العلمين من العلوم الرياضية يقع البحث عن أمور يدخل المادة في وجودها وجدودها جميعا لكن ذلك لا يوجب أن يكون النظر فيها نظرا طبيعيا ولا يخرج عن كونه تعليميا لأن البحث عنها ليس من جهة كونها أمورا مادية بل من جهة أنها ذوات مقدار أو ذوات عدد فإذا جاز ذلك وصح أن يكون الموضوع للطبيعي موضوعا للتعليمي إذا كان النظر فيه من حيث الكمية فليجز أيضا أن يكون الموضوع للطبيعي موضوعا للإلهي إذا كان النظر فيه من حيث الموجودية والواحدية والإمكان وغير ذلك قوله فقد ظهر ولاح أن الغرض في هذا العلم أي شيء الغرض فيه العلم بحقائق الموجودات كما هي علما يقينيا وهو المطلوب من دعاء النبي ص رب أرني الأشياء كما هي إذ المراد بالرؤية هاهنا هو اليقين قوله وهذا العلم يشاركه الجدل والسوفسطائية من وجه ذلك الوجه هو أن موضوع النظر للجدل والسوفسطائي قد يكون أحد موضوعات العلم الإلهي كما سيشير إليه ووجه آخر هو كونها جميعا مما يسمى علما بمعنى آخر وهو الصورة العقلية المرتسمة في النفس طابقت الواقع أم لا إذ عنت له الجمهور أو الخصم أم لا فالجدلي من كانت