صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
16
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
مقدماته مشهورة أو مسلمة والسوفسطائي من كانت مقدماته كاذبة قوله وأما مخالفته للجدل خاصة فبالقوة إلى آخره واعلم أن بين الحكمة والجدل مخالفة بوجه آخر وهي المخالفة بحسب الغاية فغاية الحكمة هي تكميل النفوس بحسب الحقيقة والواقع والغرض من الجدل هو عموم الاعتراف من الخلق لرعاية المصلحة وحفظ النظام قوله وأما مخالفته للسوفسطائية فبالإرادة إلى آخره قال الشيخ في الفصل الأول من الفن السابع من المنطق وهو في المغالطات أن المغالطين طائفتان سوفسطائي ومشاعي فالسوفسطائي يتراءى بالحكمة ويدعي أنه مبرهن ولا يكون كذلك بل أكثر ما يناله أن يظن به ذلك وأما المشاعي فهو الذي يرى بأنه جدلي وأنه إنما يأتي في محاوراته بقياس من المشهورات المحمودة ولا يكون كذلك والحكيم بالحقيقة هو الذي إذا قضى بقضية يخاطب بها نفسه وغير نفسه أنه قال حقا وصدقا فيكون قد عقل الحق عقلا مضاعفا وذلك لاقتداره على تميز بين الحق والباطل حتى إذا قال قال صدقا فهذا هو الذي إذا فكر وقال أصاب وإذا سمع من غيره قولا وكان كاذبا أمكنه إظهاره والأول بحسب ما يقول والثاني بحسب ما يسمع قوله يريد أن يظن به أنه حكيم إلى آخره قال في الفصل المذكور أيضا ويشبه أن يكون بعض الناس بل أكثرهم يقدم إيثاره يظن الناس به أنه حكيم ولا يكون حكيما على إيثاره لكونه في نفسه حكيما ولا يعتقد الناس فيه ذلك ولقد رأينا وشاهدنا في زماننا قوما هذا وصفهم فإنهم كانوا يتظاهرون بالحكمة ويقولون بها ويدعون الناس إليها ودرجتهم فيها سافلة فلما ظهر أنهم مقصرون وظهر حالهم للناس أنكروا أن يكون للحكمة حقيقة وللفلسفة فائدة وكثير منهم لما لم يمكنه أن ينسب إلى صريح الجهل ويدعي بطلان الفلسفة من الأصل وأن ينسلخ كل الانسلاخ عن المعرفة والعقل قصد المشائين بالثلب وكتب المنطق والتأنين عليها بالعيب فأوهم أن الفلسفة أفلاطونية وأن الحكمة سقراطية وأن الدراية ليست إلا عند القدماء من الأوائل والفيثاغورثيين من الفلاسفة وكثير منهم قال إن الفلسفة وإن كانت لها حقيقة ما فلا جدوى في تعلمها وإن النفس الإنسانية كالبهيمة باطلة ولا جدوى للحكمة في العاجلة وأما الآجلة فلا آجلة من أحب أن يعتقد فيه أنه حكيم وسقطت قوته عن إدراك الحكمة أو عافة الكسل والدعة عنها لم يجد عن اعتناق صناعة المغالطي محيصا ومن هاهنا يبحث عن المغالطة التي يكون عن قصد وربما كانت عن ضلالة انتهى [ الفصل الثالث : في منفعته ومرتبته واسمه ] قوله فصل في منفعة هذا العلم ومرتبته واسمه إلى آخره معرفة مفهوم المنفعة يتوقف على معرفة الخير فاعلم أن الخير بالذات هو ما يؤثره كل واحد ويبتهج به ويشتاقه وهو الوجود بالحقيقة وتفاوت الأشياء في الخيرية لتفاوتها في الوجود وكل ما وجوده بما أقوى فخيريته أعظم والشر معنى يقابل الخير تقابل السلب والإيجاب وهو العدم فالشر الحقيقي لا ذات له بل هو عدم شيء أو عدم كمال لشيء وما أورده بعض أجلة المتأخرين على هذا من النقص بالألم بأنه شر البتة مع أنه أمر وجودي لأنه عبارة عن إدراك المنافي والإدراك صفة كمالية قد أجبنا عنه وحللنا وعقدة إشكاله بما يطول الكلام بذكره وأما النفع والمنفعة فهو عبارة عما به يقع الإيصال إلى الخير للسلب الموصل إليه وهو النافع وكذا الضر والمضرة عبارة عما به يقع التأدية إلى الشر للسبب المؤدي إليه وهو الضار فإذن الفرق بين الضار وبين الشر كالفرق بين النافع والخير في أن الأول وسيلة إلى الثاني فالضار هو السبب الموصل لذاته إلى الشر كما أن النافع هو السبب الموصل لذاته إلى الخير والمعنى الذي به يصير الشيء سببا موصلا إلى الشر هو المضرة كما أن المعنى الذي به يصير الشيء سببا موصلا إلى الخير هو المنفعة واعلم أن كلا من الضار والنافع مما يختلف بالقياس إلى الأشياء فرب منفعة لشيء يكون مضرة لشيء آخر وأما الخير والشر فلا يختلفان بالمقايسة فالخير خير في نفسه دائما والشر شر في نفسه أبدا لأن الخير هو وجود والوجود بما هو وجود لا يكون إلا خيرا والشر هو عدم والعدم بما هو عدم لا يكون إلا شرا قوله إذا تقرر هذا فقد علمت أن العلوم كلها يشترك في منفعة واحدة ما من علم إلا ويحصل به ضرب من الكمال للنفس وبه يخرج النفس من حد القوة إلى ضرب من الفعل كيف وهو لا محالة كيفية نفسانية وصورة كمالية ونورية ينكشف شيء من الأشياء فيكون خيرا ومنفعة من هذه الجهة وأما العلوم المذمومة كعلم السحر والشعبدة وغيرها فكونها مذمومة ليس من جهة كونها علما بل من جهات أخرى لا ينفك عنها غالبا لكن المشتغلين بها ليس قصدهم في اقتنائها متجها إلى ما ذكرنا بل إلى أغراض أخرى وإلى أن يكون في بعضها إعانة على تحصيل بعض فإذا أطلق لفظ المنفعة في العلوم فعلى الأغلب يراد بها هذا المعنى وهو معونة بعضها في بعض ثم إن المنفعة بهذا المعنى لها إطلاقان إطلاق على وجه أعم وإطلاق على وجه أخص فالإطلاق الأعم هو الذي لا يشترط فيه أن يكون العلم النافع أدون منزلة من العلم الذي هو منتفع فيه وأما الإطلاق الأخص فيعتبر فيه أن يكون المنتفع فيه من العلوم أجل مرتبة وأعلى منزلة من المنتفع به فيها فلا يقال إن الحكمة نافعة في غيرها من العلوم