صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
10
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
التي وقع البحث عن نحو وجودها وأن وجودها ليس إلا في العقل ولا يجوز البحث عنها من هذه الجهة في علم المنطق لأن البحث عن وجود الموضوع لعلم لا يقع في ذلك العلم كما مر مرارا ولا في علم موضوعه المحسوسات كالطبيعي والرياضي لأنها غير محسوسة فالبحث عنها أيضا لا بد أن يقع في علم غير هذه العلوم النظرية وليس هذا العلم إلا العلم الأعلى قوله فبين أن هذه كلها يقع في العلم الذي إلى آخره لما ثبت أن البحث قد يقع من الأشياء التي بعضها من باب الجوهر كنفس الجوهر والجسم والصور الجوهرية العقلية وغيرها وبعضها من باب الكم كالمقدار والعدد وبعضها مقولات أخرى كمقولات المنطق التي هي من باب الكيف وغيرها بحثا على الوجه المذكور فظاهر أن البحث عن هذه الأمور على الوجه المذكور لا يقع إلا على علم يتناول ما ليس يفتقر إلى المادة المحسوسة وجودا وتعقلا ومعلوم أيضا أنه ليس لكل واحد من هذه الأبحاث موضوع آخر غير جسماني وعلم آخر عال بل كلها مما يقع في علم واحد له موضوع واحد وإذا كان كل فموضوعها المشترك الذي يكون تلك الأشياء بوجوداتها ومهياتها أحوالا وأعراضا ذاتية له وأقساما أولية منه لا يمكن أن يكون إلا أمر عام محقق وليس ذلك إلا الوجود المطلق والموجود من حيث هو موجود وإنما قيد المعنى العام بالمحقق ليخرج المفهومات العامة الاعتبارية والسلبية كالشئ والممكن العام وإلا ممتنع وإلا معدوم فإن البحث عن أحوال تلك الأمور ليس من الحكمة الباحثة عن أحوال أعيان الموجودات في شيء قوله وكل قد يوجد أيضا إلى آخره هذا وجه آخر في تحصيل موضوع الفلسفة الأولى والفرق بين هذا والوجوه السابقة أن المبحوث عنه المذكور فيها كان من جملة أمور موجودة بالاستقراء بالاستقلال سواء كان وجودها وجود الجواهر أو وجود الأعراض وسواء كان العرض عرضا خارجيا أو عرضا ذهنيا وأما المبحوث عنه المذكور في هذا الوجه فهو من جملة أمور عرضية وجودها وجود موضوعاتها بعينه لكن النفس تحددها وتحققها بأن ينتزعها عن الموجودات والفرق بينها وبين سائر الأعراض أن وجودات سائر الأعراض في أنفسها وجوداتها لموضوعاتها وأما هذه الأمور فوجوداتها في أنفسها هي بعينها وجودات موضوعاتها والفرق بينها وبين الوجود أن الوجود نفسه وجود الموضوع وكل من هذه الأمور وجوده وجود الموضوع لا أن نفسه وجود الموضوع لأن لها مهيات غير الوجود بخلاف الوجود إذ لا مهية له قوله وهي مشتركة في العلوم إلى آخره أي يقع استعمالها في كل واحد من العلوم بوجه من وجوه الاستعمال أعم من أن يكون من جهة كونها من المبادي المشتركة في علم أو من المقاصد فيه أو لا هذا ولا ذاك بل يقع الافتقار إلى استعمالها في بيان بعض المقاصد والغرض أن هذه الأمور ليست مما يستغني عن معرفتها وبيان وجودها حتى لا يجب البحث عنها في شيء من العلوم بل يجب البحث عن وجودها وحدودها ثم لا يتكفل شيء من العلوم الجزئية البحث عنها من الحيثية المذكورة بل بأحد الوجهين الأخيرين إذ لو بحث عنها من حيث وجودها وحدودها في شيء من العلوم الجزئية لكانت هي من العوارض المختصة بموضوع ذلك العلم لأن محمولات مسائل كل علم يجب أن يكون من خواص موضوعه لكن ليس شيء من موضوعات العلوم الجزئية مما يختص بشيء من هذه الأمور فلا بد أن يكون موضوعها من تلك الجهة أمرا عاما والعلم المتكفل بإثبات وجودها وتحقق مهيتها أعم العلوم وأعلاها قوله وليست من الأمور التي يكون وجودها إلا وجود الصفات للذوات إلى آخره الغرض من هذا الكلام وما بعده هو التوضيح والتأكيد ودفع التوهمات المضادة للحق أي ليست مما لا وجود لها إلا وجود الذوات المتخالفة الحقائق الموجودة بوجودات مختلفة حتى لا يفتقر إلى استيناف بحثه عنها وعن أحوالها لأن البحث عنها وعن أحوالها على ذلك التقدير راجع إلى البحث عن تلك الذوات وعن أحوالها لأنك قد علمت أنها من جملة الأعراض والصفات لأنها غير مستقلة الوجود ومنشأ هذا التوهم هو كونها من الأمور الانتزاعية التي ليست لها وجود خارجي متميز عن وجود الموضوعات والذوات فيتوهم أنها عين تلك الذوات وقد مر الفرق بينهما وبين سائر الأعراض بأن وجود سائر الأعراض غير وجود موضوعاتها خارجا وذهنا ووجود هذه الأمور عين وجود موضوعاتها في الخارج لكنه غيرها في الذهن لأنها من عوارض المهية لا من عوارض الوجود ولأجل هذه الدقيقة عبر الشيخ عن الحكم بكونها من الصفات لا من الذوات هذه العبارة إشعارا بأنه يكفي في ثبوت عرضيتها أن لها نحوا من الوجود غير وجود الذوات في أي ظرف كان وبأي اعتبار كان لأن ما ليس بعرض هو ما لا وجود له بوجه من الوجوه إلا وجود الذوات قوله ولا أيضا من الصفات التي يكون إلى آخره أي ليست ولا واحد منها من الأمور العامة الشاملة لكل شيء كالشئ والممكن العام ونحوهما حتى لا يحتاج إلى بحث عن إثباتها وتحديدها وتعريفها فلا يكون مطلوبا في علم من العلوم من الجهة المذكورة قوله ولا يجوز أن يخص بمقولة ليكون موضوع البحث عنها تلك المقولة بخصوصها لا غير قوله ولا يمكن أن يكون من عوارض شيء أي من عوارض مخصوصة