صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

130

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

الوجود منفعلة كائنة فاسدة بل مجردة عنها قائمة بمبدعها وجاعلها وأن النفس بالقياس إلى مدركاتها الحسية والخيالية أشبه بالفاعل المخترع منها بالمحل القابل وبه يندفع كثير من الإشكالات الواردة على إثبات الوجود الذهني للأشياء التي مبناها على كون النفس محلا لها وأن القائم بشيء لا بد أن يحل فيه ولنا براهين كثيرة على ثبوت ما ادعيناه مذكورة في موضعها فإذا ثبت أن قيام تلك الصور الإدراكية ليس بالحلول بل على وجه آخر لم يلزم الإشكال ولا محذور ولا حاجة أيضا إلى القول بأن الحاصل في النفس غير القائم بها هذا ما قررنا في حال المدركات الحسية ظاهرية كانت أو باطنية إذا تقرر هذا فنقول أما حال إدراك النفس للصور العقلية من الأنواع المحصلة فهو بمجرد إضافة إشراقية حاصلة لها إلى ذوات وصور عقلية واقعة في عالم الإبداع وتلك الذوات العقلية سواء كانت قائمة بأنفسها كما هو رأي أفلاطن ومن تقدمه أو واقعة في صقع الربوبية كما عليه أصحاب المعلم الأول للفلاسفة وإن كانت صورا شخصية تشخصا عقليا كليا غير محمولة على هذه الجزئيات والأصنام المندرجة تحتها لكن النفس لضعف بصرها العقلي وقصورها وكلالها عن المشاهد القوية ما دامت في هذا العالم لا يتيسر لها معاينة تلك الذوات على وجه التعين بل على سبيل الإبهام فإن الإبهام والعموم منشؤه قصور وجود الشيء إما بحسب وجوده لنفسه أو بحسب وجوده لمدركه فإن ضعف الإدراك قد يكون منشأ الاشتراك كما يرى شخص من بعيد أو في هواء مغبر يحتمل عند الرائي أن يكون زيدا أو عمرا أو بكرا وكذا قد يحتمل في البعيد أن يكون واحدا أو متعددا واعلم أن حقيقة العلم مرجعها إلى نحو من الوجود به ينكشف الأشياء وليس العلم منحصرا في الكيفية النفسانية بل قد يكون جوهرا قائما بنفسه بل يكون واجب الوجود كما في علمه تعالى لكن الكلام في العلم الذي هو من صفات النفس كالقدرة والإرادة وهو حالة نفسانية به ينكشف المعلومات ولا شك أنه أمر حادث في أنفسنا عارض لها بعد ما لم يكن ومعلوم أنه غير قابل للقسمة ولا النسبة في ذاته فيكون كيفية نفسانية والعلم بهذا المعنى لا يلزم أن يكون متحدا مع المعلوم والذي يتحد بالمعلومات هو وجودها منكشفة على نفسها أو على غيرها إنما الكلام في نحو ارتباط المعلومات بالنفس هل بنحو الحلول فيها أو لا وقد علمت أنها ليست حالة فيها فلم يلزم كون شيء واحد جوهرا وعرضا الإشكال الثاني أنه إذا كان علمنا بالأشياء الخارجية مستلزما لحصول ماهيتها وصورتها المطابقة لها يلزم أن يكون لكل نوع من هذه الأنواع الجسمانية فردا شخصيا مجردا عن المادة ولواحقها من المقدار والأين والوضع وأشباهها يكون ذلك الفرد المشخص كليا ونوعا بيان ذلك أن كل نوع جسماني تعقلناه فعلى ما قررتم يوجد ماهيته وحقيقة معناه في الذهن فلا يخلو إما أن يوجد ماهيته فيه من غير أن يتشخص بل يبقى على صرافة إبهامه وعمومه أو يتشخص والأول محال إذ الوجود لا ينفك عن التشخص ووجود المبهم مبهما غير معقول والثاني يستلزم أن يوجد في ذهننا من الإنسان مثلا شخص إنساني عقلي مجردا عن الكم والوضع والأين وسائر الصفات الجسمانية إذ لو قارنته لم يجز أن يحصل في العقل على ما ثبت من امتناع حصول الجسماني في المجرد العقلي وكذا حصل من الفرس فرس عقلي ومن الشجر شجر عقلي ومن الحجر حجر عقلي والتالي باطل فكذا المقدم والجواب عنه في المشهور أن الموجود في الذهن وإن كان أمرا شخصيا إلا أنه عرض وكيفية قائمة بالذهن وليس فردا من حقيقة ذلك المعلوم المأخوذ منه جوهرا كان أو غيره نعم هو عين مفهوم ذلك الشيء الموجود في الخارج وقد علمت ما ذكرناه في دفع الإشكال أن المأخوذ من الجواهر النوعية الخارجية وغيرها هو معانيها ومفهوماتها دون ذواتها وأشخاصها ثم ليس من شرط حصول معنى في موجود وتضمنه إياه أن يكون ذلك المعنى صادقا عليه ولا أن يكون ذلك الموجود فردا ومصداقا لذلك المعنى فإن الإنسان مثلا متضمن لمعاني الجماد والنبات لحفظه التركيب والنمو والتوليد مع أنه ليس جمادا ولا نباتا وأما كلية الموجود الذهني وصدقه على كثيرين فباعتبار ملاحظته مطلقا عن الخصوصيات الذهنية والخارجية ولا حجر في كون شيء واحد كليا باعتبار وشخصيا باعتبار آخر سيما بالقياس إلى الوجود الخارجي والعقلي فإن ألح ملح وارتكب مرتكب أن الإنسانية التي في الذهن مثلا يشارك الإنسان في الحقيقة النوعية والجوهرية وقبوله الأبعاد والنمو والحس والنطق مع كونها حالة في الذهن ومحلها مستغن عنه فقد وقع فيما لا مهرب عنه و