صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
131
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
العجب أن المولى الدواني مصر على جوهرية الماهية الذهنية قائلا أن الجوهر ماهية من شأنها أنها إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع وشنع على القائل بكون صورة الجوهر التي في الذهن من باب الكيف هربا عن لزوم انقلاب الحقيقة ولم يعلم أن ورود الانقلاب على ما ارتكبه ألزم وألصق كما يظهر بأدنى تأمّل فإن صورة الجوهر الذهني يصدق عليها حد الكيف أيضا اللهم إلا أن يلتزم في جميع الحدود التي للأنواع كلها الجوهرية والعرضية التقييد بكونها إذا وجدت في الخارج كانت كذا وكذا ويلزم عليه القول بالشبح والمثال إذ لا فرق بين أن يقال هذه الصورة الحاصلة من الإنسان كيفية نفسانية وليست بجوهر بالحقيقة ولا قابل للأبعاد ولا نام ولا حي ولا ناطق وبين أن يقال جوهر بمعنى أنها لو وجدت في الخارج كانت جوهرا وكانت لا في موضوع وإذا وجدت فيه كانت قابلا للأبعاد وناميا وحيا ذا حس ونطق فإذا لم يكن شيء بالفعل جوهرا ولا ذا أبعاد ونمو واغتذاء وحس وحركة ونطق فكيف يكون إنسانا فالحق أن هذه المفهومات الكلية الحاصلة في الذهن كمفهوم الإنسانية وغيرها من صور الأنواع الجوهرية هي نفس ماهيات تلك الأنواع أي محمولة على أنفسها بالحمل الذاتي والأولي ودلائل الوجود الذهني لا يعطي أكثر من هذا في العقليات والكليات وأما نحو وجودها العقلي فيمكن على أنحاء مختلفة في القوة والضعف والظهور والخفاء فقد يكون على وجه ضعيف كوجود الأشياء في المرأة فإن النفس بحسب صفائها وطهارتها ربما يتجلى لها شيء من الحقائق الملكوتية وهذا الصفاء والتقدس هو المعبر عنه بالكيفية النفسانية العملية وليس أمرا عدميا محضا بل قوة كمالية يحصل عقيب الأعمال الفكرية وهي بالحقيقة إشراق نور عقلي فائض على النفس به يتراءى الماهيات كإشراق الشمس على الأبصار به يتراءى المبصرات ثم كلما اشتدت قوة النفس وقويت ذاتها اشتد ظهور تلك الحقائق عليها وقوي وجودها عندها حتى صارت النفس عين تلك المعقولات كما ستقف عليه بالبرهان وتعلم أن الذات البسيطة كيف يصير كل المعقولات ثم من كان مؤمنا بوجود عالم عقلي فيه صور الأنواع الجوهرية كما عليه أفلاطن وشيعته حسبما يجيء بيانه فله أن يقول إن لكل نوع من هذه الأنواع الجسمانية فردا له وجود مجرد عقلي متضمن لصفات ذلك النوع من الأعضاء والأشكال والحركات والأفعال والحس والشعور والحياة وغيرها كلها على وجه عقلي وبالجملة يحذو حذو الوجود المادي الجسماني وتلك الأفراد هي أسباب فعالة لسائر الأفراد الجسمانية لهذه الأنواع وهي الصور العقلية لها في عالم الإبداع ولا يلزم كون المعقول من شيء صورة عرضية سيما المعقول من الجوهر فهو أولى بأن يكون مستغنيا عن الموضوع وكذلك كون بعض أفراد نوع واحد أي ماهية واحدة نوعية مجردا وبعضها ماديا مما لم يقم على استحالته برهان والدليل الدال على أن أفراد ماهية واحدة لا يقبل التشكيك والتفاوت في الوجودات شدة وضعفا وكمالا ونقصا على تقدير تمامه إنما يتم بحسب نشأة واحدة وموطن واحد لا بحسب النشأتين وباعتبار الوجودين والحق أن مذهب أفلاطن وشيعته في وجود المثل العقلية والصور المفارقة في غاية المتانة والاستحكام ولا يرد عليه شيء من النقوض والمطاعن التي أوردها عليه أتباع المشائين ونحن شيدنا أركانه وأحكمنا بنيانه بتوفيق الله وحسن تأييده واعتصامه الإشكال الثالث أن من العلوم النفسانية هو العلم بالمتخيلات والمحسوسات فنحن إذا تخيلنا حصلت في ذهننا أفلاك عظيمة وكواكب رفيعة وجبال شاهقة وصحاري واسعة مع أشجارها وتلالها ووهادها وكل ذلك على الوجه الجزئي المانع من الاشتراك فوجب على ما ذهبوا إليه محالان أحدهما كون هذه الأمور على تقدير عرضية العلم أعراضا ومعلوم أنها جواهر ليست بأعراض والثاني أن يحصل تلك الأمور العظيمة عند كيفية وقوة عرضت لبخار حاصل في حشو الرأس وكنا إذا تصورنا زيدا مثلا مع أشخاص أخر إنسانية يحصل في القوة الخيالية أناس متحركون موصوفون بصفات الآدميين مشتغلون في تلك القوة أو في الدماغ بحرفهم وصنائعهم وهو مما يجزم العقل ببطلانه وكذا لو كان محل هذه الأشياء الروح التي في مقدم الدماغ فإنها قليل المقدار والحجم وانطباع العظيم في الصغير مما لا يخفى بطلانه ولا يكفي الاعتذار بأن كليهما يقبلان التقسيم إلى غير نهاية فإن الكف لا يسع الجبل وإن كان كل منهما مما يقبل القسمة إلى غير نهاية والجواب أن هذا إنما يرد به نقضا على القائلين بأن وجود الأشباح الجرمانية بالحلول في القوى الخيالية ولم يبرهنوا ذلك ببرهان واف ولا بدليل كاف كما لا يذهب على من يتتبع أقوالهم وأما على ما ذهبنا إليه من أن نسبتها إلى النفس بواسطة تلك القوى بالصدور وأنه ليس لهذه المحال وقواها الجرمية إلا كونها مخصصات لصدور تلك الصور والأشباح من النفس في عالمها الصغير الملكوتي أو مظاهر أو مجالي لمشاهدة النفس إياها في عالم المثال الأعظم