صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

128

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

الأعراض على نحو ما مر في مفهوم العرض فلا يلزم اندراج الصورة العقلية لشيء تحت مقولتين هذا تقرير كلام المتأخرين على ما يوافق أسلوبهم وأنظارهم والحق ما سنذكره وليعلم أن معنى قول الشيخ وغيره من الحكماء إن كليات الجواهر جواهر ليس أن المعقول من الجوهر الذي يوصف بأنه في الذهن وله محل مستغن عنه قد يزول عنه ويصير في الخارج لا في موضوع ويكون صورة واحدة تارة في الخارج لا في موضوع وتارة في الذهن في موضوع كالمقناطيس الذي في الكف فإنه بحيث يجذب الحديد تارة كما إذا كان في خارج الكف ولا يجذبه أخرى كما إذا كان فيه فإن ذلك مغالطة من باب الخلط بين الوجود والماهية وأخذ الكلي مكان الجزئي فإن الكلي الذي ذاته في العقل يستحيل وقوعه في الخارج مستغنيا عن الموضوع والمقناطيس الذي في الكف يجوز عليه الخروج والجذب للحديد ثم الدخول وعدم الجذب مع بقاء هويته الشخصية في الحالين وليست الصورة العقلية كذلك بل المراد أن الكلي الذي في الذهن له ماهية لها نحو آخر من الوجود يكون فيه لا في موضوع فإن الماهية الواحدة بحسب الحد لفرط إبهامها يصلح وحدتها المبهمة أن يكون لها تحصلات مختلفة من الحلول والتجرد والمعقولية والمحسوسية والافتقار إلى الموضوع والاستغناء عنه فالمعقول من الجوهر وإن كان من حيث معقولية وكلية عرضا لكن بحسب ماهيته جوهر وأما التمثيل بالمقناطيس فهو من جهة ماهية وأن ماهيته ماهية أمر شأنه جذب الحديد عند مصادفته مع قطع النظر عن خصوصيات الوجود فهي سواء كان وجودها في الكف أو في خارج الكف بصفة واحدة وهذا القدر كاف في التمثيل وقال المولى الغوشيجي في دفع الإشكال المذكور أن الحاصل في الذهن عند تصورنا الجوهر أمران أحدهما ماهية موجودة في الذهن وهو معلوم وكلي وجوهر وهو غير قائم بالذهن ناعتا له بل حاصل فيه حصول الشيء في الزمان والمكان وثانيهما موجود خارجي وعلم وجزئي وعرض قائم بالذهن من الكيفيات النفسانية فحينئذ لا يرد الإشكال إنما الإشكال من جهة كون شيء واحد جوهرا وكيفا واعترض عليه أنه إن أراد أن هناك أمرين متغايرين بالاعتبار موافقا لما ذهب إليه الشيخ وغيره من المحققين فلا يفي بدفع الإشكال في كون شيء واحد جوهرا وعرضا وإن أراد أنهما اثنان متغايران بالذات فيرد عليه سوى كونه مخالفا للذوق والوجدان وإحداث مذهب ثالث من غير دليل وبرهان أن كل صورة مجردة قائمة لا بشيء فهي عاقل لذاته فيلزم عليه أنا عند تصورنا المعقولات يحصل ذوات مجردة عقلية علامة فعالة وهذا معلوم البطلان نعم الذي يمكن تصويره وتصحيحه من هذا الباب شيء آخر أرفع من أن يناله هو وأمثاله وهو أن النفس عند إدراكها للحسيات والمتخيلات تفعل صورا قائمة الوجود بها لكن قيام المفعول بالفاعل لا قيام العرض بالموضوع كما ستطلع عليه وعند ذلك أيضا يكون الحاصل في الذهن عين القائم به لا أنهما أمران متغايران بالذات والذي ذكره الشيخ في دفع الشبهة المذكورة بأن المعقول من الجوهر ماهية أمر وجودها في الخارج ليس في موضوع وأما وجودها في العقل فليس كذلك غير كاف أيضا في دفع الشبهة المذكورة فإن العقل من الموجودات العينية والحال في الموجود العيني موجود عيني فالسؤال وارد في أن الصورة العلمية للجوهر ما حالها بحسب هذا الوجود فإن كان كيفا يلزم صيرورة الجواهر كيفا في العقل وكون صورة واحدة كيفا ومتحدة بالماهية الجوهرية وإن كان جوهرا كان للجوهر وجود عيني في الموضوع ولا فائدة في تقييدهم مفهومات وله ذات واحدة والشيء الواحد بكونها إذا وجدت في الخارج كانت كذا وكذا وهذا كما يقال لنقش الفرس المنقوش في الجدار أنه شيء إذا وجدت في الخارج كان ذا حياة وحس وحركة ولا شك أن المنقوش ليس ماهية الفرس سواء كان في الجدار أو في غير الجدار فالذي في الذهن شيء واحد لا يمكن أن يكون ماهيته لأمرين متباينين فالمقام يستدعي نمطا آخر من البيان وطورا فوق طور أولئك الأعلام ولنا فيه خوض عظيم وقد أحيينا مذهب بعض المتقدمين وهم فرفوريوس وأتباعه من المشائين من أن العاقل في إدراكه للمعقولات يتحد بها ويصير عين تلك الأشياء على وجه ألطف وأشرف مما هي في الخارج وقد بينا ذلك وأوضحنا سبيله في باب العقل والمعقولات من كتابنا الكبير وسنرجع إليه في مباحث علم الله تعالى بالأشياء وثانيها أن نقول بعد تمهيد أن حمل شيء على شيء واتحاده به يتصور على وجهين كما سبق ذكره أحدهما وهو المتعارف الشائع ويقال له الحمل العرضي وثانيهما أن يعني به أن الموضوع هو بعينه عنوانه ومفهومه نفس ماهية المحمول ومعناه ولا يقتصر فيه على مجرد الاتحاد في الوجود كما في الأول سواء كان في حمل الذاتيات أو العرضيات بل يراد به أن مفهوم الموضوع هو مفهوم المحمول بعد أن يلحظ بينهما نحو من التغاير كالإجمال والتفصيل في حمل الحد على المحدود أو غير ذلك أن الطبائع الكلية العقلية