صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

117

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

من تركيب أعدامها فإذا لم يجز كون الوحدة عدما للكثرة ولا كون الكثرة عدما للوحدة فلم يجز أن يكون بينهما تقابل العدم والملكة ولا أيضا تقابل التناقض فإن من التناقض كان بين الألفاظ ومفهوماتها اللغوية بأن يكون أحد المتقابلين سلبا صريحا للآخر كزيد وسلبه وكزيد قائم وليس زيد بقائم فظاهر أن ذلك الاعتبار غير ما هو هاهنا إذ ليس شيء من الوحدة والكثرة مفهومه مفهوم السلب للآخر وما كان منه بين الأمور فهو من جنس تقابل العدم والملكة بل هو بعينه هذا التقابل لأن السلب والإيجاب إذا نسبا إلى موضوع خاص كانا عدما فالملكة بإزاء الإيجاب والعدم بإزاء السلب وقد علمت استحالة كون الواحد والكثير كذلك [ في بيان عدم تقابل الناقص والتضايف بين الكثرة والوحدة ] قوله فلينظر أنه هل التقابل بينهما تقابل المضاف إلى آخره يريد نفي كون الوحدة والكثرة مما بينهما تقابل التضايف بالذات وقد ظن بعضهم أنهما متقابلين تقابل المضافين واحتج بأن الوحدة من حيث هي وحدة علة والكثرة معلولها وهذا خطأ لوجوه أحدها أن الوحدة والكثرة ليستا نفس المتضايفين ولا ماهية شيء منهما معقولة بالقياس إلى الأخرى والمضاف هو الذي لا يعقل ماهيته إلا مقيسة إلى الغير فإن قلت أليست الكثرة هي نفس المركب من الوحدات ولا تعقل مفهوم المركب إلا مقيسا إلى ما يتركب عنه قلنا ليس الأمر كما ظننت فإن الكثرة وإن كانت في ذاتها مركبة من الوحدات لكن ليس معناها بعينه معنى المركب من الوحدات ليكونا لفظين مترادفين فالكثرة وإن كانت بسبب الوحدة إلا أنها غير معقولة بالقياس إليها وفرق بين كون الشيء بسبب الآخر وبين كون ماهيته مقيسة إليه ثم لا يخفى عليك أن الوحدة التي يبطلها الكثرة الحادثة وينافيها ليست بعلة للكثرة المبطلة بل إنما هي كائنة متقومة بوحدة أخرى من نوعها ثم إن الكثرة وإن كانت في ذاتها من الوحدة وكونها من الوحدة نفس كونها معلولة لها إلا أن مفهوم الكثرة غير مفهوم المعلولية والإضافة إنما هي لها من حيث هي معلولة لا من حيث هي كثرة والمعلولية من لوازم الكثرة لا نفسها وكذا التركيب من الوحدة أو الحصول منها مفهومهما غير مفهوم الكثرة فإن قلت أليست الكثرة نفسها معقولة بالقياس إلى القلة قلنا ليس الكلام هاهنا في الكثرة التي هي من جنس المضاف بل المبحوث عنه الكثرة الحقيقية الشاملة للقليل والكثير وقد عرفت الفرق بينهما وثانيها أن من خاصيته تقابل التضايف الانعكاس في التعقل من الجانبين فلو كانت الوحدة والكثرة متضايفين لكان كما لا يعقل الكثرة بالقياس إلى الوحدة كانت الوحدة أيضا غير معقولة الماهية بالقياس إلى الكثرة على شرط انعكاس المتضايفين في التعقل وليس بينهما كذلك وثالثها أن من شرط المتضايفين التلازم في الوجود فكان اللازم من كونهما متضايفين بالماهية أن لا يوجد وحدة إلا مع كثرة على شرط انعكاس المتضايفين في اللزوم وليس الأمر فيهما كذلك لأنهما ليستا متكافئين في الوجود فليستا متضايفين بالماهية قوله لك إلى آخره لما ثبت وتبين أنه ليس بين ماهية الوحدة وماهية الكثرة تقابل بوجه من وجوه التقابل لكنا نجد أنهما لا يمكن اجتماعهما فلا بد أن يعرضهما نحو من التقابل من جهة أمر عارض وذلك هو أن الوحدة من حيث هي مكيال يقابل الكثرة من حيث هي مكيل وليس كون الشيء وحدة وكونه مكيالا واحدا بحسب الماهية ولا أيضا كون الشيء كثيرا وكونه مكيلا ماهية واحدة ومعنى واحد بل الفرق حاصل بين المعنيين وإلا لكان من عقل واحد أعقل كونه مكيالا ومن عقل كثيرا كان عقله للكثرة بعينه عقلا للمكيل وليس كذلك فإذن قد يعرض للوحدة أو للشيء بواسطة أنه واحد أن يكون مكيالا ويعرض للكثير أو للأشياء الكثيرة أن يكون مكيلة كما عرض للوحدة أنها علة وللكثرة أنها معلولة فيكون التقابل بينهما من جهة إضافة عارضة لهما لكن يجب أن يكون هذه الوحدة الإضافية من كل شيء التي هي المكيال له من جنس ذلك الشيء فإن الكيل كالمساحة والعد عبارة عن استعلام كمية شيء بالمقايسة إلى ما هو من جنسه فلا بد من المجانسة بينهما وإلا لاستحال هذا الاستعلام كما إذا حاول أحد أن يستعلم مقدار مجسم بامتداد خطي أو امتداد زماني بمقدار قار فذلك غير ممكن لفقد المجانسة فالواحد والمكيال في الخطوط خط وفي السطوح سطح وفي الأجسام جسم وكذا في غير ذلك من الأزمنة والحركات والزوايا والأوزان والأثقال والكلمات والحروف والأصوات والأشعار وغيرها واعلم أن الخط المستقيم والمنحني جنسان مختلفان لا يمكن كيل أحدهما بالآخر إلا على سبيل التقريب لا التحقيق وما قيل أن الدائرة ثلاثة أمثال وسبع لقطرها وكذا قولهم سدس الدور مساو لنصف قطره فأمر تقريبي وكذلك حكم السطح المستوي والسطح المستدير لأنهما جنسان مختلفان وكذا أنحاء الاستدارات في الخطوط والسطوح يوجب اختلافها في الجنس ولكل منها أنواع تحته من جهة عظمها وصغرها وأيضا ينبغي أن يجتهد في مكيال كل جنس أن يكون أصغر ما يمكن فيه ليكون أبعد من التفاوت وأقرب إلى الانضباط ثم الوحدة إذا كانت بالطبع فهي أولى بالاعتبار والفرض