صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

110

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

في الأزمنة والأمكنة فإن زمان حركة ما هو أشد ثقلا إلى جهة السفل أقل ومقطوع مسافتها في ذلك الزمان أكثر وفيما هو أضعف نقلا منه على عكس ذلك وكذلك الكلام في الخفة وكون ما هو أشد خفة أسرع حركة إلى جهة العلو وأطول مسافة من الذي هو أضعف خفة فالذي غر هؤلاء القائلين بأنهما من باب الكم أمران أحدهما ما يقال عليهما من التساوي والتفاوت والتفاضل وهو باطل لأن المساواة والمفاوتة في الكم هو أن يفرض لشيء حد ينطبق على حد لشيء آخر وينطبق كليته على كلية الآخر فإن انطبق الحدان الآخران منهما فقيل إنهما متساويان وإن لم ينطبق قيل لأحدهما أنه زائد وللآخر أنه ناقص وهذا مستحيل ثبوته في الثقل والخفة لأن كلا منهما إما جوهر طبيعي صوري أو ميل منه كما مر والثاني قبولهما للتجزية فيقال إنه نصف ثقل الآخر وهو أيضا خطأ فإن ذلك لأجل أنه قد تحرك قوة ثقل جسماني نصف زمان المسافة التي حركت قوة ثقل آخر في تلك المسافة في نفس ذلك الزمان أو تحركت في ضعف ذلك الزمان حركة في غير تلك المسافة فيقال لهذا الثقل أنه نصف ذلك الثقل أو تحركت شيء إلى أسفل يلزم معه حركة شيء آخر ثقيل إلى العلو كآلة ذات طرفين كالقبان أحد طرفيها أعظم من الآخر أو شيء موضوع في أحد طرفيها أعظم من الموضوع في الآخر فإذا تحرك الأعظم إلى أسفل في آلة الحركة يلزم معها أو بها أن يتحرك الأصغر إلى العلو حركة على نسبة العظم والصغر بينهما وعلى نسبة بعدهما عن موضوع الجزء الساكن من تلك الآلة وعلى هذا المنوال يمكن أن يتصور ولو بحسب الفرض كون قوة الخفة سببا لحركة خفيف إلى السفل ولعل غرض الشيخ من هذا ونحوه أن يعلم أن الذي ليس بكم ولا متكمم بالذات قد يتصف بعوارض الكم من جهة أفعاله وآثاره ولو بالواسطة وأما الحرارة إذا اتصفت بأنها ضعف حرارة أخرى مثلا فذلك لوجهين من تلك الوجوه أحدهما من جهة كمية الآثار والحركات فيقال لهذه الحرارة أنها ضعف تلك لأنها يفعل في زمان ضعف ما يفعل الأخرى من الإصعاد والإحالة أو غيرهما أو يفعل في نصف ذلك الزمان مثل ما يفعله الأخرى وثانيهما من جهة كمية محله فإن الجسم الحار المتشابه الأجزاء في الحرارة يكون الحرارة في ضعفه ضعف الحرارة التي فيه وفي نصفه نصفها لانقسامها بانقسام المحل وقبولها المساواة والمفاوتة بتبعية كمية المحل بالعرض وأما قوله وكذلك حال الكبير والصغير والقليل والكثير إلى آخره فهو إشارة إلى القسم الأول من وجوه الكم بالعرض وهو الذي يكون موضوعه الكم بالذات فالكبر والصغر والطول والقصر والسعة والضيق والكثرة والزيادة والنقص كلها أحوال إضافية يقع من جهتها المساواة والمفاوتة فكبير أكبر من آخر وصغير أصغر من صغير وكذا يكون كثير أكثر من كثير آخر وقليل أقل من قليل آخر بمراتب متفاوتة وليس عند الشيخ ومن يحذو حذوه من المشائين تفاوت فيما هو الكم بالذات ولا مفاضلة ولا زيادة ولا نقصان ولا عظم ولا صغر ولسنا نقول إن كمية لا يكون أكثر من كمية أو أقل ولا أن مقدارا لا يكون أعظم من مقدار ولكن نقول لا يكون كم في أنه كم أكبر من كم آخر ولا أيضا مقدار في أنه مقدار يكون أعظم من مقدار ولا جسم في كونه جسما أي منقسما في الجهات أعظم من جسم آخر ولا سطح في أنه ذو بعدين أكثر من سطح ولا خط في أنه خط أطول من خط ولا عدد في أنه عدد أكثر من عدد آخر فأمثال هذه الأمر عوارض خاصة للكمية كالطول والقصر بالإضافة فيقال أن هذا الخط طويل والآخر ليس بطويل بل قصير وإن كان كل خط طويلا في نفسه بمعنى آخر من حيث له بعد واحد ويقال هذا السطح عريض وذلك الآخر ليس بعريض وإن كان كل سطح عريضا في نفسه بمعنى آخر أي له مع بعد يفرض طولا بعد يفرض عرضا ويقال هذا الجسم ثخين والآخر ليس بثخين بل رقيق وإن كان كل جسم ثخينا بمعنى آخر وكذلك يقال هذا العدد كثير وذلك ليس بكثير بل قليل وإن كان كل عدد كثيرا بمعنى آخر من حيث هو كم منفصل يعد بآحاد فهذه وأمثالها يقال لها كميات وليس بكميات بل أحوال يعرض للكم بمقايسة بعضها إلى بعض هذا خلاصة ما ذكره الشيخ في ثاني رابعة الفن الذي في قاطيغورياس من الجملة الأولى التي في المنطق وأشار إليه هاهنا لكن بقي هاهنا شيء يجب التنبيه عليه وهو أن هذه الكمالية والنقص الواقعين في الكم والشدة والضعف اللذان في الكيف كما سيأتي أمور واقعة عند هؤلاء بمجرد مقايسة أفراد الكم بعضها إلى بعض أو أفراد الكيف بعضها إلى بعض فهي اختلافات واقعة في نفس الإضافات عندهم وعند أتباع الرواقيين المجوزين للتشكيك في الماهية وذاتياتها راجعة إلى تفاوت في نفس ماهيات الكميات المتصلة والمنفصلة وكذا في نفس ماهية بعض أقسام الكيف فعندهم أن هذا الخط أطول من ذلك في نفس الخطين وهذا العدد أكثر من ذلك العدد في نفس معنى الكثرة وكذا البياض الشديد والحرارة الشديدة شدتهما لأجل كمالية وقعت في نفس