صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
111
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
ماهية البياض والحرارة لا بمجرد المقايسة والإضافة وأما عندنا فكل هذه الأمر راجعة إلى طبيعة الوجود لا إلى الماهيات كما يقوله أتباع الرواقيين ولا إلى الإضافات والنسب كما عليه جمهور المشائين وقد علمت من طريقتنا أن الوجود طبيعة بسيطة عينية مختلفة المراتب متفاوتة الدرجات كمالا ونقصا وشدة وتقدما وتأخرا كل ذلك في ذاتها ولغيرها بتبعيتها في أصل الحقائق والماهيات واختلافها في ذاتها كما ذكرناه هو أصل اختلاف الأشياء في الماهيات ولوازمها وعوارضها فاعلم هذا فإنه أصل لو حققته وبسطته وأعملت الرواية فيه لانفتح على قلبك باب كثير من المعارف ومن الله التوفيق [ الفصل الخامس : في تحقيق ماهية العدد ] قوله فصل في تحقيق ماهية العدد إلى آخره المقصود من هذا الفصل إثبات العدد وتحقيق ماهيته وكيفية تحديد كل نوع من أنواعه قوله وبالحري أن تحقق هاهنا إلى آخره لما تكلم الشيخ أولا في الواحد والكثير لأنهما من الأعراض الأولية للموجود بما هو موجود وساق الكلام فيهما وفي بيان عرضيتهما كما هو رأيه ثم انتقل بالكلام إلى أحوال الكميات المتصلة قبل الفراغ عن تتمة أحوال العدد استعجالا فيما هو الغرض من بيان حقائق تلك الكميات ونحو وجودها وبيان عرضيتها وكيفية عروض بعضها لبعض رجع ثانيا إلى إمعان البحث عن طبيعة العدد وأنواعه وخاصياتها وكيفية تعرف أحوالها وإثبات وجودها في الوهم ووجودها في العين أما وجودها في النفس فهو ظاهر وأما وجودها في الخارج فلأنه لا شك في أن الموجودات وحدات فوق واحدة فلزيد مثلا وحدة عددية غير ما لعمرو وله وحدة غير ما لبكر وإن كان الجميع واحدا في الإنسانية فإذا تحققت وحدات في الخارج فوق واحدة فثبت وجود العدد إذ ليس معناه إلا المركب من الوحدات والمركب من الأمر الوجودية لا يمكن أن يكون عدميا فهو أمر موجود زائد في التصور على الماهيات لأن العشرة من الناس من حيث إنها عشرة مخالفة للإنسان الواحد من حيث هو واحد وإن تساوى العشرة والواحد في طبيعة الإنسانية واعلم أن العدد من الماهيات الضعيفة الوجود لضعف وحداتها فوجود العدد عبارة عن عدة وجودات هي وجودات الوحدات ثم من قال إن العدد لا وجود له إلا في النفس إن أراد بذلك أن العدد المجرد عن الماهيات المعدودة التي في الخارج لا وجود له إلا في النفس فهو حق لا لأن الواحد بما هو واحد لا يكون قائما بنفسه فكذا المؤلف منها بل لأن وحدات الأشياء التي هي في الخارج لا يمكن تجردها بأعيانها عن تلك الأشياء وإن أراد أن العدد مطلقا بلا شرط الخلط والتجريد لا وجود له في الخارج فهو باطل إذ لا شبهة في أن للموجودات وحدات عددية كما ذكر واعلم أن هاهنا شبهة وهي أن الاثنوة مثلا إن كانت وجوديا في الاثنين فلا يخلوا إما أن يوجد في كل واحد من الواحدين أو في أحدهما أو في المجموع من حيث هو مجموع الأول محال لوجهين أما أولا فلاستحالة حلول العرض الواحد في محلين وأما ثانيا فلأنه إذا وجدت الاثنوة فيهما لزم أن يكون الاثنان أربعة ثم تكون الكلام في كل واحد من تلك الآحاد كالكلام في الأول فيلزم أن يكون في الاثنين آحاد غير متناهية وبهذا تبين أيضا أنه يستحيل أن يكون الاثنوة موجودة في أحد ذينك الواحدين وأما الشق الثالث فهو أن يكون الاثنوة موجودة في المجموع بما هو مجموع فذلك أيضا غير صحيح لأن المجموع من حيث هو مجموع مغاير لكل واحد من جزأيه وهو بذلك الاعتبار واحد غير قابل للقسمة لأن القابل لا بد وأن يبقى مع المقبول والواحد من حيث واحد يستحيل أن يبقى بعد القسمة وهذه الشبهة ذكرها بعض الفضلاء ولم يقدر على حلها وأقول إنها منحلة بما ذكرنا من أن العدد من الأمر الضعيفة الوجود الناقصة فوحدة كل عدد هي بعينه كثرتها لكن يجب أن يعلم أن حقيقة العدد الذي هي من باب الكم إنما يحصل من تكرر وحدات هي من نوع واحد كأفراد من الناس والفرس والحجر مما يتماثل أعداده وأما إذا فرض تأليفه من وحدات مختلفة الأنواع كوحدة العقل مع وحدة الفلك أو وحدة جنسية مع وحدة نوعية أو غير ذلك فلا يحصل منها عدد اللهم إلا من جهة عوارض متشابهة ومعان متفقة ككونها موجودات على الإطلاق أو أشياء أو ممكنات وبالجملة العدد كمية حاصلة من وحدات متماثلة فمن هذا السبيل للكثرة بما هي كثرة واحدة جهة وحدة إذا عرفت هذا فنقول الاثنوة حاصلة من مجموع الاثنين لا في كل منهما ولا في أحدهما وذلك المجموع وإن اعتبر من حيث هو مجموع واحد ولكن لما لم يكن له جزء صوري كانت وحدته تجامع اثنينيته وانقسامه فكما أن الاثنوة التي هي العارضة وحدتها بعينها صورة كثرتها فكذلك حال المعروض في كون واحديته بعينها مغمورة في اثنينيته وأيضا مادة الاثنين والثلاثة وغيرهما من كل نوع من شأنها أن يقبل الوحدة والاتصال للكثرة المنفصلة فهي أيضا جهة الوحدة في الأعداد وكذا الاتفاق في المعنى النوعي وإما عالم العقل الخالص فليست