خواجه نصير الدين الطوسي
360
شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )
أولها مرتبة الواجب الأول تعالى - وإنما ترك لفظة اللذة - واستعمل بدلها الابتهاج - لأن إطلاقها على الواجب الأول وما يليه - ليس بمتعارف عند الجمهور - وإنما كان الأول أجل مبتهج بشيء - لأن كماله هو الكمال الحقيقي لا غير - وإدراكه هو الإدراك التام فقط - فعلى القاعدة المذكورة - يكون ابتهاجه بذاته أكمل الابتهاجات على الإطلاق - واعلم أن كل خير مؤثر - وإدراك المؤثر [ 1 ] من حيث هو مؤثر حب له - والحب إذا أفرط سمي عشقا - وكلما كان الإدراك أتم والمدرك أشد خيرية - كان العشق أشد - والإدراك التام لا يكون إلا مع الوصول التام - فالعشق التام لا يكون إلا مع الوصول التام - ويكون ذلك على ما مر لذة تامة وابتهاجا تاما - فإذن العشق الحقيقي - هو الابتهاج بتصور حضور ذات ما هي المعشوقة - ثم لما كان الشوق عندنا من لوازم العشق - وربما يشتبه أحدهما بالآخر - أشار إلى الشوق أيضا - وذكر أنه الحركة إلى تتميم هذا الابتهاج - ولا يتصور ذلك إلا إذا كان المعشوق حاضرا من وجه - غائبا من وجه - ثم أثبت العشق الحقيقي للأول تعالى - لحصول معناه هناك - فإنه الخير المطلق وإدراكه لذاته أتم الإدراكات - ولم يتحاش عن إطلاق هذا اللفظ عليه - وإن كان غير مستعمل عند الجمهور - لأنه مستعمل في عرف الإلهيين من الحكماء - والمحققين من أهل الذوق ونزهه تعالى عن الشوق - إذ لا يمكن أن
--> [ 1 ] قوله « واعلم أن كل خير مؤثر » لما كان ادراك الكمال موجبا للحب والحب إذا افرط يكون عشقا ثبت العشق للأول لأنه كلما كان الكمال أكثر وادراكه أقوى يكون حبه أكثر لكن كماله تعالى في الافراط فيكون حبه له في الافراط وهو العشق ولا شوق له لان الشوق لا يحصل الا عند الوصول من وجه والغيبة من وجه فان من اشتاق إلى معشوقه فلا بد أن يكون المعشوق حاضرا في خياله غائبا عن حسه فمن حيث إنه حاضر في خياله وأصل اليه ومن حيث إنه غايب عن حسه طالب له والأول تعالى منزه عن الغيبة والطلب فاستحال الشوق عليه ، وكما أنه تعالى مبتهج بذاته فكل من عرفه يكون مبتهجا به ملتذا بعرفانه وكلما كان ادراكه أتم كان التذاذه به أشد فلهذا تفاوت ابتهاجات الملائكة ولذاتهم بحسب تفاوت مراتبهم في العلم به تعالى وكذا القول في النفوس البشرية . واعترض الامام انكم قلتم ان ادراك الكمال من حيث هو كمال يوجب حبه وحب الشئ هل هو نفس ادراكه أو غيره فإن كان نفس ادراكه واستدللتم على حب الكمال بادراكه فهو استدلال بالشيء على نفسه وان كان غيره ولا شك ان ادراكه لكماله مخالف لإدراك غيره لكمال آخر فلا يلزم من ايجاب ادراك