ابو البركات

95

الكتاب المعتبر في الحكمة

وهذا محال وقالوا أيضا لو جاز اتصال الحركتين لكان يجب أن تكون غاية الصاعد العائد هابطا ان ينتهى في حركته مستمرا إلى ما عنه ابتدأ فيكون مبدأ الحركة المستقيمة الهاربة عن حيز هو بعينه المقصود بذلك الهرب . وقالوا أيضا إذا كان الشيء يبيض فابيض وهو يتسود فمن حيث هو يتسود فيه سواد ومن حيث هو كذلك ففيه قوة على البياض فيكون مع أنه ابيض فيه قوة على البياض وهذا محال . وجاء من رد هذه الحجج بأسرها المثبتة والمبطلة بردود سنذكرها ونصر الرأي القائل بالسكون بين الحركتين المتضادتين بحجته هذه . فقال ان كل حركة بالحقيقة فهي تصدر عن ميل يحققه اندفاع الشئ القائم امام المتحرك واحتياجه إلى قوة تمانعه بها وهذا الميل في نفسه معنى من الأمور به يوصل إلى حدود الحركات وذلك بابعاد من شئ يلزمه مدافعة لما في وجه الحركة وتقريب من شئ ومحال ان يكون الواصل إلى حد ما وأصلا بلا علة موجودة موصلة ومحال أن تكون هذه العلة غير التي أزالت عن المستقر الأول وهذه العلة يكون لها قياس إلى ما يزيل ويدافع وبذلك القياس يسمى ميلا فان هذا الشئ من حيث هو موصل لا يسمى ميلا وان كان الموضوع واحدا وهذا الشئ الذي يسمى ميلا قد يكون موجودا في آن واحد وانما الحركة هي التي عسى ان تحتاج في وجودها إلى اتصال زمان والميل ما لم يقسر ولم يقمع أو لم يفسد فان الحركة التي تجب عنه تكون موجودة وإذا فسد الميل لم يكن فساده هو نفس وجود ميل آخر بل ذلك معنى آخر ربما يقارنه فإذا حدثت حركتان فعن ميلين وإذا وجد ميل آخر إلى جهة أخرى فليس يكون هو هذا الموصل نفسه فيكون هو بعينه علة للتحصيل وللمفارقة معا بل يحدث لا محالة ميل آخر له أول حدوث وهو في ذلك الأول موجود إذ ليس وجوده متعلقا بزمان ليس كالحركة والسكون اللذين ليس لهما أول حدوث إذ لا يوجد ان على وجه ما الا في زمان والا بعد زمان إذ هي مقتضية لأين لم يكن الجسم قبله فيه