ابو البركات

60

الكتاب المعتبر في الحكمة

من القرينة وتبطل الحجة وانما قالوا ولا اختلاف في الخلاء فجعلوا ما منه وما اليه وما فيه كله خلاء وهؤلاء انما أراد واما فيه فقط دون ما عنه وما اليه فإنهم لم يقولوا ان كل ما في الوجود هو الخلاء وجسم واحد يتردد فيه ذاهبا عائدا أو متحركا في موضع منه وساكنا في موضع آخر حتى تلزم هذه الشناعة ويبطل الخلاء فان ما عنه وما اليه أشياء موجودة في الخلاء الكلى مع جملة الموجودات الأخرى وما فيه الحركة بين ما عنه وما اليه هو أو بعضه هو الخلاء المدعى ان فيه الحركة فهذه مغالطة في قولهم في الخلاء حيث أوهموا ان تلك الحركة لذلك المتحرك فيه وحده وليس فيه معه غيره ولو كان كذلك لقد كان باطلا لكنه ليس كذلك ولم يدع بل في الوجود السماوات والأرض وما بينهما والخلاء فالمتحرك يتحرك عن شئ إلى شئ يخالفه في طبع أو حالة أخرى والخلاء في مسافته التي فيها حركته بين ما منه وما اليه فأي محال ظهر في هذا من ذلك الكلام المطول بالحركة الطبيعية والإرادية والقسرية والمكانية والدورية والسكون المقابل لها حتى يمل القارئ ويعجز ذهنه عن انتقاد ما سمعه فيقبله عجزا أو يظن أنه قد اجزى واللبيب يكتفى بهذا حيث يتأمل الكلام فيبين له موضع الغلط أو المغالطة فيه . واما الحركة الدورية فقد أتوا فيها بمغالطة أخرى ودققوا وطولوا ومثلوا وشكلوا ففرضوا دائرة في خلاء لا يتناهى أو خلاء وملأ وقالوا إن المتحرك لا يصح ان يتحرك على هذه الدائرة من أولها إلى آخرها في خلاء أو ملأ لا يتناهى واخرجوا من مركز الدائرة إلى محيطها خطا وفرضوه يذهب بلا نهاية فيما لا يتناهى وفرضوا خطا آخر خارج الدائرة موازيا له لا يتناهى أيضا قالوا فإذا تحركت هذه الدائرة تحرك الخط الخارج من مركزها إلى محيطها فلقى الخط الذي كان موازيا له خارجا عنها لأنه في أول حركته عن الموازاة انتقل إلى المقاطعة ويلقى كل ما هو ابعد منه قبل ما هو أقرب منه ولأنه لا يتناهى فبعده لا يتناهى فما ينتهى منه إلى نقطة الا وقد قطع قبلها نقطا لا تتناهى وذلك في زمان متناه