ابو البركات
449
الكتاب المعتبر في الحكمة
لا تعرف لذة غير هذه اللذات ولا جمالا الا لهذه الملابس والزينة ولا افتخارا الا بهذه القنايا والأموال وفقدت في مفارقتها للبدن تلك النعم التي تعرفها بأسرها وهي على ما هي عليه من محبتها وعشقها لها وشوقها إليها وقد كانت تملكت السر فلم تترك فيه موضعا تتنبه منه على غيرها فقدا لا يسلى حزنها عليه أمل في عودها إليها ومعلوم ان محبي اللذات المطعومة لا يأكلون لقوام أبدانهم وانما يحرصون على لذاتهم ولوا ضروا بالأبدان لا لدفع أذية الجوع لكن لنيل لذة الذوق « 1 » وتراهم يتداوون بالأدوية المرة الكريهة لتنبيه شهواتهم فينالون به لذة يتحسرون على فقدها وهم غنيون عنها ، وكذلك في الجماع الذي يراد لأجل الولد يطلبه من يكره الولد ولا يرجوه أو من حيث لا يرجوه وكذلك حسرة المتلذذ بالمنافسة والمباهاة بزينته في ملبوسه ومركوبه إذا فقدهما وان استغنى في ستر عريه « 2 » ونقل قدمه عنهما وانما يتحسر على ما يفقده من لذة الجمال الذي كان له بهما فلا شك ان النفس التي هذه حالها تتعذب بحزنها وحسرتها على مما فقدت ما كانت تحبه عذابا يضاهى المتمكن من عشقها وشوقها . ومن ذلك فزع الزهاد فيها ممن لم ينبه على سعادة ولذة غيرها فتلك سعادة السعداء وهذه سعادة الأشقياء وهذه شقاوتهم بسعادتهم فان حرمان أولئك الزهاد من أهل الكمال إلى نيل دائم ونيل هؤلاء إلى حرمان لكن لعله غير دائم فان النفس على طول المدة تسلو وتنسى والعناية الربانية تجود بالبذل والهداية تنبه عليه . فأما سعادة المجازاة على الحسنات وشقاوة العقوبة على السيئات فالآمر بتلك والناهى عن هذه يتولى الثواب والعقاب بأمره على قدر ما امر به منهما ووعد وتواعد في جوابهما « 3 » فإنه قادر صادق لا يجوز عليه الكذب ولا يخلف الميعاد على ما نقوله في موضعه من العلم الذي بعد هذا . ولا سبيل إلى معرفة ذلك من جهة البحث النظري والنظر القياسي . ومن ظن أن كل حق يعلم بالنظر القياسي كما يعلم في فن عرفه منه بكذب هذا الوعد والوعيد فنفسه كذبته حيث لم تعرفه ان
--> ( 1 ) سع - الشوق ( 2 ) سع - عورته ( 3 ) كذا - وبهامش سع - ظ - جزائهما