ابو البركات
439
الكتاب المعتبر في الحكمة
الكلية والتصورات العقلية والكلام في افعال النفس ونسبتها إلى آلات البدن قد مضى على أتم استقصاء . فقال القائلون بهذا ان النفوس التي تفارق الأبدان قبل ان تتصور المعقولات وتعقل المبادى المفارقة للأجسام والكليات لا تبقى لأنها لا يكون لها فعل يقتضى لها البقاء اما الذي بالآلات البدنية فلا يمكن لمفارقتها . واما الذي لها بذاتها من المعقولات فلا تعرفه لأنها لم تتعلم وانما كانت علاقتها بالبدن لتحصيل هذا البقاء العقلي باستفادة المعقول من المحسوس فإذا فارقت ولم تستفد ذلك لم يحصل لها البقاء الذي بحسبه . وتمثلوا على ذلك بفروخ انفقأت البيضة عنه قبل ان يكمل أسباب حياته من أعضائه وآلاته فهو يموت مع انفقائها عنه ولا يبقى ولو انفقأت عنه بعد كمال أعضائه وقوتها لقد كان يعيش ويبقى ولا يضره مفارقتها . كذلك النفس في البدن إذا كملت بالمعقولات أو لم تكمل فان كملت كان انفصالها من جملة كمالها وتمكنها من افعالها لزوال عائق القسر عنها وان لم تكمل كان موتها في مفارقتها . وهؤلاء يتفرع رأيهم إلى قسمين فمنهم من يقول بزيادة الكمال وتمامه إذا كان على حال نقص بعد الانفصال ، ومنهم من لا يرى لها زيادة بعد الموت على ما كسبته في الدنيا لان كسب المعقولات انما كان من المحسوسات المدركة بآلات البدن في الحياة الدنيا ، وقوم يقولون إن الكمال يكون لها من جهة المبادى المفارقة والعلل الأولى ، وقوم يقولون إنه يكون برجوعها إلى بدن أو أبدان أخرى على ما شرحناه قبل ، وقوم يقولون إن الناقصة والكاملة منها يكون ترددها في الأبدان من غير أن تبقى على حال مفارقة البتة ، وقوم يقولون إن حالها يختلف فلا يلزم نظاما في المفارقة والمقارنة فتارة هكذا وتارة هكذا ، وقوم يقولون انها تتعلق بالاجرام السمائية ، وقوم يقولون انها تتعلق من الأجسام العنصرية بالأرواح فان علاقتها بالأبدان كانت بها ، فهذه اقسام الآراء ومذاهب الأوهام قد استوفاها التقسيم في هذا الكلام .