ابو البركات

440

الكتاب المعتبر في الحكمة

وقد ثبت مما سلف من النظر جوهريتها وبطل القول بعرضيتها وبقي النظر في هذه الاقسام المبنية على أنها جوهر . فأقول ان النفوس قد ثبت من حالها انها جواهر غير جسمانية هي قوى فعالة بذواتها مستغنية في الوجود عن البدن وفي نفس الفعل الصادر عنها من الادراكات التي تخصها على ما سلف القول فيه فهي باقية لا تموت بموت الأبدان ومفارقتها . وأقدم على ذلك كلاما في عدم الموجود بعد وجوده ووجود الموجود بعد عدمه وبقائه بعد ايجاده وان كان الكلام فيه يليق بعلم بعد هذا لكنه لا يبعد عن هذا وهو نافع فيه . فأقول اما عدم الموجود بعد وجوده فتحققه من اعتبار ما تعرفه بما تراه يعدم بعد الوجود إذ تجده على ضربين ، فمنه ما يعدم بعدم علته وزوالها عن حال عليته كضوء المصباح يعدم بانطفائه وتغطيته . ولأجله حكم المعلم الأول في هذا المعنى حكما كليا فقال ، ان علل الاعدام اعدام العلل ، ومنه ما تعدم علته ويبقى بعدها زمانا موجودا كالحرارة المستفادة في الماء عن النار تبقى موجودة بعد مفارقة النار في الماء ولأجلها حكم الذي حكم أولا بتلك القضية الأولى حكما كليا يخالف الأول فقال ان الموجود لا يعدم بنفسه وانما يعدمه ضده الذي يفسده ولا نستوفى الكلام في هاتين القضيتين الكليتين المختلفتين هاهنا بل نتركهما إلى العلم الأليق بهما وهو ما بعد هذا ونكتفي الآن بما يشهد به الوجود من حكمهما « 1 » فيرينا الاعتبار ان كل ما يحدث عن علته في غير زمان يعدم بعدمها ولا يبقى بعدها كالمصباح يعدم « 2 » نوره إذا انطفأ معه معا وكل ما يحدث عن علته في زمان وينشأ أولا فأولا يبقى بعد عدم علته ولا يعدم بعد مها كالحرارة المستفادة في الماء من النار فالأول كما وجد في غير زمان يعدم في غير زمان والثاني كما وجد في زمان حدث فيه أولا أولا يبقى زمانا ويعدم في زمان وله وجود في موضوع هو سبب البقاء بعد عدم الفاعل الموجد وهو الهيولى وضده يفسده بمزاحمته عليها اعني على

--> ( 1 ) صف - حكمتهما ( 2 ) سع - يعدم بعدم .