ابو البركات

436

الكتاب المعتبر في الحكمة

ان يختص فعلها بالبدن التي هي فيه دون غيره وما هي فيه والا لما انتهت بنظرها إلى السماء فكذلك . وبحسب ما رأيت وسمعت مما صدقت به من النوادر والغرائب من أحوال النفوس قل في شرف النفس وخيريتها وصفائها وحريتها وجوز أن تكون منها واحدة في نوعها هي بين البشر كأنها منهم وليست منهم ولا هم منها إذ لا شريك لها منهم في نوعها ولا تكذب بفضيلة نفس لرذيلة تراها فيها أو تخبر بها عنها فلكل واحد منها سبب يوجبه لا يمنع الآخر ، واستدل بما ترى من ذلك فيمن ترى من اجتماع الفطنة واليقظة والمعرفة وقوة النفس وسعتها مع بخل ودناءة وقسوة لا يخفى قبحها على من هي فيه ولا يقدر من طباعه على ردها وقد اجتمعت فيه مع فضائله العظمى لم تبطل إحداهما الأخرى فمن جانب القوة قد يكون بالجسم وآلاته وقد يكون بذات النفس وتأثيرها في أجسام أخرى ومن جانب الشرف قد يكون من الحرية والكرم والخيرية ما هو في الغاية القصوى . وترى من الخواص الجزئية ما لا يرجع إلى فضيلة أو رذيلة كلية كمن يفوق في فن ويبرز فيه ويأتي منه بالعجائب مع عجزه عما هو أسهل منه كثيرا ، فاستشهد بذلك وأمثاله على اختلاف أنواع النفوس الانسانية وطبائعها وغرائزها لاختلاف عللها والمؤثرات فيها فالنبي صاحب الهداية والرواية تكون نفسه أخص واشرف من غيرها ونوعها في شخصها أو في مماثله فيها فلذاك استحق ان يكون بين اللّه وبين خلقه سفيرا وله برسالته مبشرا ونذيرا ومعلما ومبصرا ومعجزاته الصادرة عنه بأمر ربه من خاصية نفسه مما « 1 » قلنا من قدرة اللّه التي يخصه بها ومن الأرواح والملائكة الذين يصير بلاهوتيته وروحانيته منهم وبالتفاته إليهم معهم وبصفائه « 2 » مطلعا على سرائرهم فيصير الغيب عنده شهادة من جهتهم فان الغيب يتنزل إليهم ويصدر عنهم إلى الوجود في عالم الكون والفساد فهم حملة الامر الذين تدول الأقضية والاقدار على أيديهم وبوساطتهم فالغيب عندهم شهادة قبل

--> ( 1 ) صف - كما ( 2 ) سع - بصفاته .