ابو البركات

426

الكتاب المعتبر في الحكمة

فأما حرية النفس بغريزتها فهي عزتها التي تصدها عن التوقان إلى اللذات التي تجلب عليها ذلة وتتسبب من جهتها والحرية في المفاوضات اللغوية تقال على معنى يقابل العبودية فكأنها بهذا المعنى خالصة من عبودية الشهوات المذلة فالحرية هي العفة بل العفة منها فقد قال ارسطوطاليس فيها ما ذكرناه قبل . وهي انها ملكة نفسانية حارسة للنفس حراسة جوهرية لا صناعية ، وقد سبق القول بأن النفس لها أحوال إرادية تصدر عنها بالرؤية وأحوال طبيعية لا تتوقف على إرادة ولا روية وعلاقة النفس بالبدن من جملتها فكلما كانت الطبيعة في النفس أقوى من الإرادة استعبد الطبع الإرادة فيها وهي نفس بإرادتها التي هي اشرف حالتيها والشهوات البدنية متعلقة بالعلاقة البدنية وتأكدها بالطبع واستيلائه فإذا استولى سخر الإرادة وإذا استولت الإرادة لم يقهرها الطبع ولم يسخرها فكانت النفس بذلك حرة مالكة لطبعها لا مملوكة له . وإلى هذا أشار أفلاطون بقوله ، ان الأنفس المرذولة في أفق الطبيعة وظلها والأنفس الفاضلة في أفق العقل ونوره فالحرة لذلك تكون علاقتها بالبدن أسهل فعشقها له وشوقها إلى ما منه وفيه وبه أقل فشغفها عند النيل والإصابة دون شغف غيرها وتأذيها بالشوق وأسفها عند الفوت والتعذر أقل فهي بذلك حرة طليقة من اسره وأسر ما يتملكها منه وبه النفوس الخسيسة عريقة في عشقه تائقة إلى لذاته حذرة عليها وعلى أسبابها متعبدة « 1 » أسيرة له بها ولمن يتعبدها بها معذبة بتصور فقده وفقد ما منه وفيه وبه . وللعوائد الصالحة في هذه الفضيلة والرذيلة المقابلة لها خصوصا مع المعرفة المنبهة عليها وعلى ضدها اثر يظهر أكثر من ظهور مثله في غيرها فلذلك اطنب الحكماء في التنبيه والأنبياء في الوعد والوعيد لأجلها فان العادة الصالحة تصلح الفاسدة منها والفاسدة تفسد الصالح . واما خيرية النفس فهي من عنايتها بغيرها والتذاذها وتأذيها بما يسرّ ويسوء غيرها والكرم والرحمة من فروعها فالكريم يلتذ بخير ينيله والرحيم يتأذى بشر ينال غيره والخيرية مع الحرية ولا خيرية في الأنذال لانهماكهم على شهواتهم

--> ( 1 ) سع - متعمدة .