ابو البركات
414
الكتاب المعتبر في الحكمة
التي تكون تارة بالقوة موجودة وتارة بالفعل فيخرج بذلك من قوة إلى فعل ومن فعل إلى قوة وهو ابدا بالفعل كأنهم لما قالوا إن المعقولات التي تستفيدها النفس منه موجودة عنده ابدا بالفعل أوجبوا له ان يكون في سائر ادراكاته ابدا بالفعل ولا يكون في شئ بالقوة وفي شئ بالفعل وسموه لذلك عقلا فعالا . وصاروا في قولهم به كأنهم قد رأوه عيانا وعرفوه يقينا فاثبتوا له ما اثبتوا ورفعوا عنه ما رفعوا وجوزوا للنفس كلا القسمين وكلتى الحالتين اعني ادراك المحسوسات والمعقولات والقوة والفعل فيكون لها من المعلومات ما هو بالفعل من أول وهلة وهي الاحكام الغريزية التي لا تكتسبها بتعليم كالقضايا الأولية ومنها ما هو لها بالقوة والاستعداد ويصير لها منه ما يصير بالفعل بالاكتساب ويبقى في القوة ما يكتسب فيما بعد وقالوا إن ذلك لها بالبدن فإنها بسفارته تدرك المحسوسات وبعلاقته تدرك الجزئيات ولو لاه لما أدركتها وإذا فارقته لا تدركها وانما تدرك المعقولات بتجردها عن البدن وقد قيل تجردها بالتفاتها إلى العقل الفعال الذي هو علة وجودها وعلة كمالها وتدرك المحسوسات بالتفاتها إلى البدن وإلى علاقتها به والقوى الجسمانية التي لا تفارق الأبدان ( بل قوامها فيها وبها تدرك المحسوسات والجزئيات ابدا ولا تدرك غيرها لأنها لاتفاق الأبدان - « 1 » ) والعقل الفعال يدرك المعقولات ولا يدرك المحسوسات لأنه مفارق ابدا والنفس تقارن وتفارق فتدرك هذا وهذا لان مدرك هذا من حيث يدرك هذا لا يدرك هذا فتدرك المحسوسات لا من حيث تدرك المعقولات والمعقولات لا من حيث تدرك المحسوسات لان تلك تدركها بالقوى الجسمانية وهذه تدركها بالعقل الفعال المجرد المفارق ، وقد قلنا إن الادراك بالآلة وغير الآلة والوسيط وغير الوسيط حكمه كله واحد في وصول المدرك إلى المدرك فكله وصول ونيل ولقاء الذات للذات وإذا وصلت الذات إلى الذات خرج من البين الوسائط والآلات فإذا صح الادراك صح اللقاء وإذا صح اللقاء وجب ما أنكروه من الانقسام فلم تفد الوسائط والآلات شيئا لأنهم قالوا مدرك
--> ( 1 ) سقط من - سع .