ابو البركات
408
الكتاب المعتبر في الحكمة
بل يعلم فيتعلم ويبصر فيعقل ويهمل فلا يعقل ولا يعلم فنفسه هيولى تقبل صورة المعقولات العلمية والعملية وانما تقبلها من معط وسبب فعال لها فبها تخرج النفس في قوتيها العلمية والعملية من القوة والاستعداد إلى الكمال والفعل وانما يكون ذلك السبب كذلك بالفعل اعني عاقلا بالفعل لان مخرج الشئ من القوة إلى الفعل يحتاج ان يكون ذلك الشئ الذي أوجده في ذي القوة عنده بالفعل فهذا المقيد عقل بالفعل يسمونه العقل الفعال . قالوا وانما سمينا العاقل عقلا لأنه يعقل ذاته فيكون العقل والعاقل والمعقول فيه واحدا من حيث يعقل نفسه فهو العاقل وهو المعقول وفعله الذي هو عقله لا ينفصل عن ذاته في ذاته فهو ذاته وليس ذلك لفاعل وفعل في قابل غير العقل فلذلك سمى العاقل باسم فعله عقلا . وهذا العقل الفعال الذي هو معلم الناس هو عندهم العلة الفعالة لنفوس الناس والحيوان والنبات وهو مكمل نفوس الناس ونسبته إليها نسبة الشمس إلى الابصار من جهة انها به تقوى على ادراك المعقولات ونسبة المرآة التي فيها صور بالقياس إلى مرآة ساذجة ينتقش فيها ما فيها فهو الصحيفة التي ترى ما فيها والمصباح الذي به يرى كذلك هذا العقل الفعال تفيض منه قوة على المتخيلات التي هي بالقوة معقولة فتجعلها معقولة بالفعل كما يجعل نور الشمس المرئيات بالقوة مرئية بالفعل ويجعل العقل بالقوة عقلا بالفعل كما يجعل نور الشمس البصر بالقوة باصرا بالفعل وكما أن الشمس بذاتها مبصر وسبب لأن تجعل المبصر بالقوة مبصرا بالفعل كذلك هذا الجوهر بذاته معقول وسبب لصيرورة المعقول بالقوة معقولا بالفعل . والعاقل بالقوة عاقلا بالفعل لكن الشئ الذي هو بذاته معقول هو الصورة المجردة عن المادة وخصوصا إذا كانت مجردة بذاتها لا بغيرها وهذا الشئ هو العقل بالفعل أيضا فإذا هذا الشئ معقول بذاته ابدا بالفعل وعقل بالفعل وانما يعقل الكليات دون جزئياتها لأنها هي المعقولة ابدا على حالة واحدة والجزئيات المتبدلة المتغيرة لا تدركها وانما تدركها النفس بوساطة البدن وعلاقتها به وهذا العقل الفعال لا يحل الأبدان ولا يتعلق بها فلا يدرك الجزئيات ولا يخفى