ابو البركات

409

الكتاب المعتبر في الحكمة

عنه شئ من الكليات التي الجزئيات في ضمنها فان الصورة المعقولة واحدة كلية ولو كانت في الأعيان في كثرة غير متناهية ، ألا ترى انك حين تعرف زيدا وعمرا وتعرف من كل واحد منهما معنى الانسانية لا تزداد على ما عرفته من زيد بما عرفته من عمر ومعرفة ولا عقلا وكذلك لو كررت نظرك في ألوف من الناس لكان المعنى الحاصل لعقلك منهم بأسرهم واحدا وهكذا في غير الانسانية من سائر ما يحويه الوجود من الجواهر والاعراض محصول العقل منه واحد من كثرة غير متناهية فهكذا يعقل العقل والنفس إذا التفتت اليه أدركت المعقولات وإذا التفتت إلى عالم الطبيعة والأجسام أدركت المحسوسات وكل نفس لا تلتفت إلى عالم العقل لا تعقل المعقولات كما انها إذا التفتت عن « 1 » البدن وعلائقه من عالم الطبيعة لا تدرك المحسوسات فهذا العقل علة وجود النفوس وعلة كمالها . فهذا محصول قولهم في النفس الانسانية والعقل الفعال والعقل والعاقل والمعقول على الاطلاق . وأقول ان الذي أشير اليه باسم العقل في اللغة العربية انما هو العقل العملي من جملة « 2 » ما قيل وجاء في لغتهم من المنع والعقال فيقال عقلت الناقة اى منعتها بما شددتها به عن تصرفها في سعيها فكذلك العقل العملي يعقل النفس ويمنعها عن التصرف على مقتضى الطباع والذي اراده اليونانيون من المعنى الجامع للعلم النظري والرأي العملي لم يكن له في العربية اسم فنقله الناقل إلى اسم يدل على بعض معانيه فكيف وهم يسمون الملك والرب عقلا والأشبه انه يحاذى المعنى الذي يسمى في اللغة العربية « 3 » إلها ومنه سمى الكتاب الذي لارسطوطاليس بالالهيات وأول المعرفة به انما كانت من جهة الفرق بين النفس الانسانية وغيرها فسموا ما يختص بمعرفة النفس الانسانية دون غيرها من النفوس الحيوانية والنباتية نطقا وعقلا فقالوا نفسا ناطقة ونفسا عاقلة وعقلا هيولانيا وعقلا بالقوة وعقلا بالفعل ثم اخذهم النظر فتشعب لهم من ذلك الفرق ما انتهى بهم إلى القول بهذا وذلك من جهة انهم رأوا نفس الانسان تعرف وتعلم بعد جهل وتكمل بعد نقص فنظروا

--> ( 1 ) سع - إلى ( 2 ) صف - جهة ( 3 ) صف - العبرية .