ابو البركات
403
الكتاب المعتبر في الحكمة
الصورة العقلية شكلا ما وعددا ما ولم يقل فيكون لها شكل ما ومقدار ما فان المقدار والعدد لا يمنع عن الصورة البسيطة كما لا يمنع عن الصورة العقلية التي توجد في نفوس عدة وكل واحدة منها في كل واحدة منها غير الأخرى بالعدد وكما لم يمتنع ان يكون لها عدد كذلك لا يمتنع ان يكون لها مقدار بل هو كما قيل مما لا يتصور الذهن رفعه عن شئ يتصوره وعلى أنه ليس يلزم منه هاهنا سوى القسمة الفرضية كما قيل فقولهم إن ما لا ينقسم لا يحل في قابل الانقسام وقابل الانقسام لا تحل صورته فيما لا ينقسم حتى منعوا بذلك من كون مدرك الصورة المعقولة فينا هو مدرك المحسوسات لا يتم به ما قصدوه لكون القسمة فيه لفظا مشتركا بين الفرضي والوجودي . والذي يمتنع هو الذي بالفعل والذي قصدوه هو الذي بالفرض ولا يمتنع فيما لا ينقسم بالفعل ان تلقى ذاته ذات المنقسم بالفعل ولا ينقسم بانقسامه بالفعل ولا تتحرك اجزاؤه إلى التفرق مع اجزائه كما تمثلنا عليه بجسم في شعاع الشمس إذا قسم الجسم وفرقت اجزاؤه فان النور لا ينقسم بالفعل بقسمتها ولا يتفرق بتفرقها إذ لم يتحرك معها ولا إليها بل هي تتحرك اليه وتتفرق عنه وهو واحد لا يتفرق . وقوله ليس يمكن ان يقال إن كل واحد من الجزءين هو بعينه الكل في المعنى لان الثاني ان كان غير داخل في معنى الكل فيجب ان يضع في الابتداء معنى الكل هذا الواحد لا كلاهما وان كان داخلا في معنى الكل فمن البين ان الواحد منهما ليس يدل على نفس معنى التمام . جوابه ما قيل في التمثيل بقسمة المتشابه الاجزاء كقطعة الذهب فان الأول من الجزءين مثل الثاني في المعنى لا في المقدار فهما جز آن لكل شبيهان به في المعنى ليس معقول أحدهما غير معقول كليهما الا في المقدار كما قيل مثله في العدد ونحن إذا اعرضنا عن هذه الحجج ومناقضاتها ورجعنا إلى ما نشعر به من نفوسنا وهو أبين وأثبت عندنا علمنا أن مدرك الصورة العقلية والحسية . وبالجملة مدرك الموجودات في الأعيان والمتصورات في الأذهان فينا واحد هو ذات الانسان كما يشعر به كل واحد منا من ذاته انه هو الذي ابصر وسمع وعرف وتصور