ابو البركات

401

الكتاب المعتبر في الحكمة

ادراك القوى له وبادراكها له على مقداره لا يتبرأ من هذا الذي قصدوا تبرئتها منه فان الادراك كيف كان لا يتبرأ فيه المدرك عن لقاء ذات المدرك وما يصح لهم القول بأن النفس تدرك الذات دون الشكل والمقدار فإنها تدركهما وتفرق بين الصغير والكبير منهما فيما تراه وفيما تحفظه وفيما تتذكره كما قد كررناه . فان قيل إن الادراك الذي نقول به ليس على ما تقوله أنت من لقاء الذات للذات ، قيل فهل هو على مقابلته حتى يقال إن المدرك لا ينال ذات المدرك ولا يلقاها فإن كان فما الفرق بين المدرك وغير المدرك وبما ذا يدرك وهلا قلتم هذا أولا واسترحتم من القول بالقوى الجسمانية التي خلقتموها واوجدتموها في اعتقادكم من غير أن يدلكم على وجودها دليل صادق فان الادراك إذا لم يكن لقاء الذات للذات لم يحوجكم القول بأن النفس أدركت الصور الجسمانية إلى القول بتجزئة النفس ( وقسمتها ويبقى البدن واجزاؤه آلات لهذه النفس - « 1 » ) في الادراك وبادراكها لا يلقى الصورة الجسمية فلا ينقسم لكنه لا يمكن ان يقول بذلك متصور اعني بأن الادراك لا يلقى فيه ذات المدرك « 2 » لذات المدرك ولو لم يكن لم يكن بين المدرك وغير المدرك بالنسبة إلى المدرك فرق . وها انا قائل على طريق النظر والمجادلة بما كتبت لا أرى القول به الآن لمن يناظر على هذا القول ويسمع النظر فيه ان كان القول بان المقدار وفرض القسمة في الأقطار يخص الجسم في جسميته حتى لا يكون لغير الجسم أقطار ولا يتقدر بمقدار مما تشهد به فطر العقول فالخلاف فيه باطل عند المتصورين من المناظرين وليس كذلك بل الامر بالعكس فانا ما نرى أحدا الا والذي في أولية عقله وفطرته تصور الأقطار والمقدار وقبول القسمة الفرضية لكلما يتصوره بحيث لا يتأتى له ان يرفعه بذهنه عن شئ مما يتصوره ذهنه ولا بدليل ولا حجة توافق عليها الذهن إلا قسرا والقائل بذلك يقول بما لا يتصوره اعني القائل بوجود شئ لا يتقدر ولا ينسب إلى ذي مقدار بأنه مساو له أو أعظم أو أصغر

--> ( 1 ) من صف ( 2 ) من هنا إلى الصفحة الآتية سقط من سع .