ابو البركات
399
الكتاب المعتبر في الحكمة
متى شاء حتى يأتي القول على وجهي الامكان بعد ان يعلم أن هذا اللوح ليس هو جزاء من البدن ولا البدن باسره ولا هو البدن مع الفضاء الذي يطيف به ولا هو قوة جسمانية هي عرض حال في كل ذلك أو في بعضه بل هو شئ ان كان للنفس ومع النفس فحكمه في الكون مع النفس ولها حكمها بالنسبة إلى البدن وكونه غير موضوع لها لا هو ولا غيره من الأجسام لأن القريبة قد قيل فيها ما أبطل القول بها والبعيدة منها غير حاضرة عندنا حتى نطلع عليها وعلى ما فيها ، واما محفوظة ملحوظة معا . فالعلم هو هذا مع ما قيل من الحكم بالاثبات والنفي في بعضها لبعض والمعتقد منه المقبول هو المحكوم فيه مع الحكم الأول بالاثبات والنفي بموافقة الوجود وهو قبوله وتصديقه والمردود منه هو المحكوم فيه بمخالفة الحكم للوجود والمظنون هو الذي فيه التوقف عن الحكم بالموافقة واللاموافقة والغالب من الظن هو الذي تميل النفس فيه إلى الحكم ولا تحكم به والشك والحيرة هو التوقف بغير ميل . فان قيل إن هذه الصور ان كانت تتصور باشكالها وألوانها ومقاديرها وأوضاعها وكثافتها ولطافتها على ما هي عليه في الوجود فهي في موضع لا محالة وهو قريب من هذا البدن لأن البدن لا يبعد عن النفس والنفس لا تبعد عنه بعد انفصال ومفارقة ما دامت العلاقة بينهما ، وكل ذي شكل ولون ومقدار في موضع قريب منها فنحن نراه لا محالة بعيننا وندركه بلمسنا فأين هذا الموضع مما هو قريب منا وما بالنا لا نرى فيه هذه الأشياء وهي مثل ما نرى وعلى ما نرى ان كان الصدق على ما قلتم هو موافقة المعلوم للموجود وان لم يكن فما هذه تلك بل أشياء أخرى فكيف نحكم بها على هذه الأشياء وبمماثلتها لها . فالجواب انها ليست هذه على الوجه الذي يقال بصريح القول إن هذا هو هذا وهي هذه على الوجه الذي يقال في نسبة المعلوم إلى الموجود قولا اصطلاحيا ان هذا هو هذا فهذه مرئية لكن لا بالعين التي هي جزء من البدن بل بعين النفس التي هي ذاتها ومرئيات تلك بالنسبة إليها كمرئيات هذه بالنسبة إليها فهي