ابو البركات

379

الكتاب المعتبر في الحكمة

ادراك لشئ ولا حفظ فلم تكن قبل ذلك موجودة بل هي حادثة بحدوث تعلقها به - فان طلبت حجة على أن كل نفس انسانية نجدها متعلقة ببدن لا تتذكر حالا كانت لها قبل هذا التعلق - لم يكن لأحدنا حجة سوى ما يجده من نفسه ويعرفه من حاله أو يصدق فيه خبر غيره عن نفسه فلا يلزم من هذا اطلاق القضية على أنها كلية بل يحسن الظن فيها من جهة الأكثرية خصوصا مع ما تبين من اختلاف جواهر النفوس وماهياتها وليس إذا جهلنا هذا فقد علمنا نقيضه ولا ما نجده من أحوالنا يجوز لنا فيه القياس والحكم بحسبه على غيرنا فان هذا أصل من أصول الخطأ وسبب من أسباب الجهل والغلط في الحكم والقول فهذه حجتنا على حدوث النفوس مع حدوث تعلقها بالأبدان وهي كالأولية في الأذهان كل فطن يشعر بها وان لم يشعر بشعوره ويعلمها وان لم يعلم بعلمه وبها يستبعد المستبعدون التناسخ وينكرونه فقد سمعت حجج المتقدمين في قدم النفوس وحدوثها ومعارضاتها وردودها والحجة التي عولنا عليها ولم تجد قولا يردها فاعلم من ذلك ما تعلم واقبل المقبول ورد المردود وتصفح الاقسام وتمم النظر على مذهبه وسيأتيك فيما بعد ما ترداد به بصيرة فيما تعلمه الآن من ذلك . الفصل التاسع عشر في وحدة النفوس الانسانية أو كثرتها بالشخص أو بالنوع قد قال قوم من القدماء ان النفس الانسانية واحدة بالشخص في جميع اشخاص الناس يشتركون فيها فهي نفس لهذا كما هي لذاك وتمثلوا عليه بشعاع الشمس الذي هو واحد يشرق على موضوعات مختلفة متكثرة فيتكثر بالنسبة إليها وهو واحد الجوهر والحقيقة والشخص في نفسه ولم يحتجوا على ذلك بغير التمثيل . ويقال في جوابهم انه لو كان للأبدان الكثيرة نفس واحدة لقد كانت حصة كل بدن منها اما أن تكون هي حصة الآخر بعينها أو تكون حصة الآخر غيرها