ابو البركات

375

الكتاب المعتبر في الحكمة

التالي بطل المقدم والبحث يظهر أحدهما . واما المحتجون على قدمها بقولهم ان كانت حادثه بعد لم تكن عن علة قديمة فلحدوثها سبب يوجب وجودها عن علتها هو شريك الفاعل أو مقتض لحدوث إرادة متممة لفاعليته أو هيولى قابل وابطالهم للشريك بوحدة النفس فحق ، والهيولى فالحال فيها معلومة مما قيل ومقتضى الإرادة مجهول فلعل فيما يحدث من الموجودات ما يقتضى ذلك وهم فلم يثبتوا امتناعه لا من جهة إرادة الفاعل وامتناع حدوثها ولا من جهة امتناع وجود مقتض أو حدوثه فلم يبق فيما احتج به على قدم النفس ما يعتمد عليه . واما حدوثها والاحتجاج عليه بابتدائها في النشوء مع البدن واخذها من الضعف إلى القوة ومن العجز إلى القدرة وانتاجهم من ذلك حدوثها مع حدوثه فمن الأقاويل التي توهم وتقنع ولا يتم بها الاحتجاج في مذهب النظر الحكمي - إذ لقائل ان يقول لعل أول ما وجدناه من حالها في الضعف هو حالها في القدم ويستبعدان تكون استمرت في قدمها على حالة واحدة دهر اثم استجدت قوة بعد ضعف ولا يزول الشك بالاستبعاد بل لعله ان يقال إن حالها القديمة هي الأولى وما لها مما يستجد فإنما هو بالبدن إذا استتمت آليته ظهرت افعال النفس فيها وهذا أولى . واما المحتجون على حدوث النفس بقولهم انها لا تجوز أن تكون قبل البدن واحدة ولا كثيرة وما قالوه في تفصيل قولهم من أنها لا تكون واحدة تتكثر بالأبدان وحلولها فيها فمرجعه إلى أنها لا تتجزى وانما تتجزى الأجسام وما فيها مما قوامه بها . فقول غير مسلم ولا يقف عنده بحث الناظرين ولا نظرهم فإنه لم يثبت بدليل ولا هو ثابت بنفسه ولا مسلم في أولية العقل ان كل ما ليس بجسم ولا جسماني لا يتجزى . فان قيل إن المتجزئ هو ذو الأقطار الذي يتقدر بطول وعرض وعمق وذلك هو الجسم بذاته وما في الجسم لأجله كان القول فيه كالقول في التجزى الا ان يقولوا انا نعنى بالجسم هذا وفيه كلام قد لاح منه في المبادى الطبيعية ما تتذكره ونستقصيه فيما بعد وتبقى القضية غير مسلمة فلا يحتج بها .