ابو البركات

366

الكتاب المعتبر في الحكمة

قد يكون في بيت ضيق صغير جدا أصغر وأضيق مما يقدر لبعض ما يدركه على شكله ومقداره ولا يشعر بما هو في خارج البيت من ملذ أو مؤذ ومناسب ومباين وليس كذلك حاله في بدنه الذي يشعر بقرص البعوض له ، فما النفس عرض في موضوع هو البدن ولا ما هو أعظم منه مما يحيط ويتصل به حتى يكون البدن في جملته ولا في شئ خارج عن البدن مما لا يتصل بالبدن ولا يكون البدن في جملته فليست في موضوع البتة فليست بعرض فان العرض هو الموجود في موضوع فهي جوهر لان الجوهر هو الموجود لا في موضوع ، وليست بجسم لأنها لو كانت جسما لقد كان اما ان يكون ذلك الجسم في هذا البدن واما ان يكون هذا البدن فيه وليس كذلك على ما بان فيما قبل انه موضوع للعرض فهي جوهر غير جسماني فاعل في البدن وبالبدن مصرف له ومتصرف فيه . وليس لقائل ان يقول فعسى أن تكون النفس عرضا موضوعه جوهر غير جسماني ، فانا نقول له ان هذا الجوهر غير الجسماني الفاعل في أبداننا سواء كان فعله بذاته أو بعرض فيه هو الذي نسميه نفسا لأنه هو الفاعل في أبداننا سواء كان يفعل بذاته أو بعرض فيه كالإرادة في النفس التي هي عرض فيها ، ولا يقول أحدنا ان النفس هي تلك الإرادة وكذلك فيما عداها من اعراض تعرض للنفوس فيها فتوجب صدور افعال منها بحسبها كالمحبة والبغضاء وغيرهما فقد صح لنا بنظرنا هذا القصير المختصر وجود جواهر غير جسمانية وهي النفوس الانسانية لا محالة . فأما النفوس الحيوانية الأخرى فعليك التأمل فيها وإليك النظر بحسب الأصول التي عرفتها والأدلة التي عولت عليها كما نظرت ومن حيث نظرت ، وإذا نظرت في النفوس الحيوانية الأخرى قست بحسب ذلك في النفوس النباتية فإنها موضوعة في هذه المحجة ومدلول عليها في النفي والاثبات بهذه الحجة فإن لم يتفق المعنى ويلزم في كل من الجنسين على نمط واحد ففيما يلزم وبحسب ما يلزم - فإذا اتضح لك المطلوب بهذه الحجة عدنا إلى تلك الحجج المذكورة ونظرنا