ابو البركات

362

الكتاب المعتبر في الحكمة

واما القائلة بالموافقة والمغالبة في القوى البدنية والقوة العقلية فلا فرق بينها وبين ان يقال إن القوة الباصرة لا تسمع والسامعة بدنية فالباصرة غير بدنية فليس إذا كان بين بعض القوى موافقة وبين بعضها مباينة يدل ذلك على أكثر من أن الموافق غير المباين لا على أن هذا جسماني وهذا غير جسماني ، وكم من موافقة بين العقل والغضب والشهوة في كثير من الأشياء فليس العقل براد لهما عن فعلهما في كل حال وان ردهما أو أحدهما في حال فهذه حجة واهية ضعيفة جدا . وكذلك القائلة بالهرب والحركة المكانية في الأبدان من جهة المؤذيات الواردة على القوى الحسية وتخلص العقل بغير حركة مكانية وهرب من موضع إلى موضع لا يدل على أكثر من أن التي تهرب غير التي لا تهرب لا على أن هذه جسمانية وهذه غير جسمانية - ولا فرق بينها وبين قول من يقول إن البصر يدرك البعيد واللمس يدرك القريب فاللمس بقوة جسمانية والبصر بغير جسمانية بل لعل هذه أقوى في ايقاع التصديق من الأولى فان القرب والبعد في الجسماني وغير الجسماني لا يتساوى وكم يهرب العاقل من أشياء مغضبة وأشياء مشتهاة ويبعد عنها ليبعد عن أذية الغضب والشهوة كما يبعد عن النار المحرقة المؤذية في حس لمسه بلذعها . واما القائلة بالقوة على تعقل ما لا يتناهى فقد غالطت بالقوة حيث لم تجتمع المعقولات غير المتناهية للقوة العاقلة معا حتى تعقل ما لا يتناهى وتدركه بالفعل معا ، فأما بعضه دون بعض إذا أدركته فقد أدركت ما يتناهى . مما لا يتناهى وليس كون المتناهى مما لا يتناهى يلزم فيه حكم ما لا يتناهى . وما لا يتناهى لا يجتمع للقوة العاقلة كما لم يجتمع لغيرها والقول بتناهى الأجسام ولا تناهيها فقد عرفت ما فيه فيما مضى ، ولو صح على رأى المحتج لما نفعه في حجته ولا وصل إلى موضع منفعته حيث لم يقل بتعقل ما لا يتناهى وحصوله بالفعل معقولا لها . واما القائلة بالحفظ والنسيان فعلى مذهب القائل لا تفيد في الاحتجاج فان القوة الحافظة الذاكرة على مذهبه جسمانية وتلحظ وتعرض وتحفظ وتنسى فان جعل للحفظ قوة وللذكر أخرى فالعقل أيضا يقول فيه ان الحافظة للمعقولات قوة