ابو البركات

361

الكتاب المعتبر في الحكمة

طباع تلك وخواص افعالها فان تلك تحرق نارها ويجمد ثلجها وهذه لا تحرق ولا يجمد فكما ارتفع عنها خواص الافعال ارتفع عنها لوازم التضاد كان هذا الاعتراض مؤثرا فيها إلى ما يعضدها غيرها فتكون الحجة تلك لا هذه . واما الحجة القائلة بالانفعال من الصور العقلية لو كان العاقل قوة جسمانية لكان العقل يفعل الصور ولا ينفعل بها فالمجيب يقول إن القوى الجسمانية تفعل بذواتها وتنفعل هيولاتها لا ذواتها فيكون الفعل للقوة والانفعال للهيولي بما يقبل ما يفعله الفاعل فإذا صدر عن القوة فعل في موضوعها كان المنفعل به الموضوع الذي هو الهيولى وانفعاله قبول الأثر والفعل الصادر عنها ، وان كان الفعل في جسم آخر غير موضوع القوة الفاعلة فالمنفعل من ذلك هو الهيولى التي في ذلك المنفعل وانفعالها هو قبول الفعل من الفاعل وقائل هذا القول قد قرّر في أصوله ان الأجسام المركبة من هيولى وصورة تفعل بصورها وتنفعل بهيولائها ، فان كانت القوة العاقلة هي الفاعلة للصور المعقولة وهي القابلة لها فهي بذلك فاعلة منفعلة وان كان القابل غيرها فهو هيولى وكذلك الحال في غيرها حيث كان الفاعل الصورة والقابل الهيولى فلم يفد الاحتجاج في الفعل والانفعال إذا كان معنى الانفعال هو قبول الفعل والأثر من الفاعل . واما الحجة القائلة بضعف القوى البدنية وقوة العقل في الشيخوخة ، فجوابه ان تسليم الدعوى لا يثبت الغرض المطلوب فان لكل قوة مزاجا يوافقها يقوى به فعلها فلا عجب ان تقوى من البدن قوة مع ضعف أخرى كما يقوى السمع والحفظ في الأعمى وتضعف الشهوة بقوة الغضب والغضب بالشهوة فلعل المزاج الشيخوخى موافق لهذه القوة أكثر من موافقة غيره ، ولعل الرياضة بالتجارب والتعاليم الحاصلة في طول العمر تجتمع لها ويتبع ضعفها فيما بعد مع تزايد ضعف البدن وقواه بآخرة وعند الموت تضعف القوى بأسرها وهذه في جملتها فيشتبه الامر ولا تفيد الحجة سوى ان هذه غير هذه وكل واحد منها كذلك هي غير الباقية ولا يحصل بالجسمانية وغير الجسمانية من ذلك تصديق في واحدة دون الأخرى .