ابو البركات

358

الكتاب المعتبر في الحكمة

التصديق بها من ذاتها فهي بذلك فاعلة لا منفعلة فليست بجسمانية . وبان الأبدان وقواها تضعف إذا جازت في قوتها ونموها أشدها ومنتهاها وتأخذ بعد بلوغ الغاية في الذبول والانحطاط والنفس الناطقة تقوى حينئذ في كثير من الناس أولا تضعف مع ما يضعف من القوى فليست بجسمانية مثلها . وبان بدن الانسان مؤلف من الاضداد تأليفا لا تقع به ممانعة بين أجزائه في افعالها الصادرة عنها من الحركات إلى الجهات بل كل واحد من الاجزاء في حال الصحة يتبع فيما يحصل به من ذلك نظام « 1 » الحياة ويمكن افعالها والقوة العاقلة تقوى على افعالها بمغالبة القوى الممانعة لها كالغضب والشهوة وقهر هما لا بالمسالمة وترك المعارضة لهما مثل غيرها من القوى . وبان الأجسام وقواها تتخلص مما يؤذيها بالحركة المكانية هربا من المؤذى والقوة العاقلة تتخلص من أذية القوى الجسمانية بغير حركة فان العاقل يخلص نفسه برأيه وأذية شهوته وغضبه من غير أن يتحرك في مكانه فنفسه العاقلة ليست بجسمانية . وبان النفس العاقلة تقوى على تعقل ما تشاء من الصور العددية والتراكيب غير المتناهية في ذواتها ومهما ازدادت من ذلك زادت قوتها فقوتها غير متناهية والقوة الغير المتناهية لا تنتصف فان النصف متناه والضعف متناه وكل قوة جسمانية منتصفة لان الجسم قابل للتنصيف لأنه لا يكون الجسم غير متناه والقوة العاقلة غير جسمانية . وبان العلم المعقول لو حل الأجسام والقوى الجسمانية لم يعد منه ما يزول بالنسيان إلا بسبب محصل وارد من خارج لأنه يكون بعد انمحاء الصورة المنتقشة مثله قبل انتقاشها بالنسبة إليها في كونها معدومة فيه ولا تحصل له ثانيا إلا بسبب موجب كما حصلت له أولا والقوة العاقلة تنسى وتذكر من غير أن تستعيد ذلك من سبب من خارج والصور المعلومة تكون حاصلة عندها مع اشتغالها بغيرها عن ذكرها فلا تنمحى عنها الأول بالثوانى لأنها روحانية بل تكون فيها بنوع قوة لا كقوة الصبى على الكتابة بل كقوة الكاتب العاقل على الكتابة حيث لا يكتب ويكتب متى أراد والقوى الجسمانية لا يمكن فيها تزاحم الصور المختلفة لا في الادراك ولا في

--> ( 1 ) سع - بظاهر -