ابو البركات

359

الكتاب المعتبر في الحكمة

الحفظ . ألا ترى ان الحواس لا يمكن ان تستحفظ في ذاتها صورة إذا أقبلت على غيرها لان الجسم ما لم يخل عن احدى الصورتين لن تحله الأخرى فالقوة العاقلة غير جسمانية . وبان القوة العاقلة تعقل ذاتها غير خارجة عن ذاتها بل من داخل ذاتها لا كما يظن أنها تعقل المعقول بان تتصور صورته في الجسم الذي هو محلها فلذلك تعقل إذا عقلت شيئا من الأشياء انها عقلت راجعة بذلك على ذاتها وإلى ذاتها بذاتها فإذا قد تصدر عنها أفاعيل بمجرد ذاتها لا بشيء آخر خارج عن ذاتها فهي جوهر قائم بذاته . فبهذه الحجج وما يقاربها دلوا على جوهرية النفس ومنعوا أن تكون عرضا في الأبدان وقوة من القوى التي فيها مما قوامها به . الفصل الرابع عشر في تأمل هذه الحجج وتتبعها اما الحجة الأولى القائلة بان القوى الجسمانية إذا أصاب موضوعها الذي هو البدن آفة استضر فعلها وليس كذلك القوة العقلية . فنقول في جوابه ان القوة العقلية كذلك أيضا تستضر افعالها بامراض البدن كما يضعف الرأي والتفكر والروية في الأمراض البدنية - فان قيل إن ذلك الضرر ليس فيها لكن في الآلة . قيل ومن لنا بذلك وما الذي يدل عليه انه كذلك في هذه القوة دون غيرها إذا جمعها وعمها مع باقي القوى ضرر الفعل بمرض البدن فلم تدل هذه الحجة من حيث لم تميز ولم تفرق فان اعينت بغيرها من الحجج كانت الحجة غيرها . واما القائلة بان القوى الجسمانية لا تدرك ذواتها وآلاتها - فجوابها ان هذا الادراك ان كان من المدرك للمدرك بغير واسطة فلا القوة الباصرة ولا العقل يدركان آلتيهما وان كان بواسطة فالعقل يدرك آليته ويعرفها بعلم فيه حدود وسطى ودلائل هي الوسائط في العلم والعين أيضا تبصر ذاتها بل القوة الباصرة تبصر العين التي هي آلتها بواسطة كالمرآة وتلك الواسطة في الدلالة للقوة العاقلة كالمرآة في الابصار للباصرة ويبقى ادراك الذات متشابها في الادراكات