ابو البركات

352

الكتاب المعتبر في الحكمة

وإرادة مثل هرب الطفل مما يوحشه ويؤذيه واقباله على ما يؤنسه ويلذه وبكائه من ذلك وضحكه وسروره بهذا ومثل أنسه بالنور ووحشته من الظلمة وتجد من ذلك ما هو ارادى يتبع الروية كشرب الأدوية الكريهة لأجل نفعها وتجشم الكلفة والتعب لانتظار لذة مرجوة والاكباب على تعلم العلوم ودراسة الكتب وتحفظها لما يرجوه من نفعها الدنياوى والأخروي وكل افعالنا وتصرفاتنا منقسمة على هذين اعني على الارادى والطبيعي وينجر ويتسبب الطبيعي من الارادى ويتبعه والارادى من الطبيعي كل ذلك على سبيل اتباع المسببات للأسباب وبذلك يكون التعيين والتخصيص لفعل دون فعل في وقت دون وقت وترى الطبيعي من ذلك هو الأقدم بالزمان ويقوى الارادى بقدر الوسع وينشأ أولا فأولا بتزايد يلحق بعضه بعضا ويعين بعضه بعضا حتى كل ما قويت الإرادة صرفت وسع النفس إليها واستأثرت به دون الطبيعة والتفتت النفس إلى ذاتها فان الإرادة ميقظة والطبيعة مبلدة لأن هذه تكون بروية ومعرفة فتقوى المعرفة بالمعرفة والمعرفة بالفعل والفعل بالمعرفة وهذه اعني الافعال الطبيعية بغير روية ولا معرفة فتصرف عن المعرفة وتضعف المعرفة بعدم المعرفة وتجد كذلك حال ما يتذكره الانسان من المعاني المحفوظة عنده فيلتفت بذلك إلى ما في ذاته وبالتفاته إلى ما في ذاته يلتفت إلى ذاته فإذا اصغى إلى ذلك اعني إلى المعاني المحفوظة واقبل عليها بذاته حفظها في ذاته وإذا حفظها تذكرها اما بالرؤية والإرادة كمن يروم بإرادته تذكر شئ فيلتفت بنفسه وذهنه اليه ويتطلب ما يذكره به وينبهه عليه وقد تذكر أشياء تسنح من المحفوظات وتخطر بالبال بغير إرادة لأسباب جالبة لها مما تنبه عليها وتذكر بها من الأشباه والنظائر والتوالي والقرائن . اما الأشباه فكمن يذكر شخصا بذكر شبيهه ونظيره . واما التوالي والقرائن فكمن يذكر بيتا من الشعر بالبيت الذي قبله فيعلم من هذا ان التعيين لما يتعين من ذلك بهذه الآلات يكون على وجه يخص به جزاء يجعل له علاقة بالمبصر والمتذكر كعلاقة العين بالمبصر لا على أنه ينطبع فيه وينتقش كما لم يمكن ان ينطبع في تلك